الفصل الأول

من كتاب "العلاقات الإنسانية"

للكاتب: عبد الله خمّار

 

 

بناء العلاقات الإنسانية

العلاقة الشرعية: الزواج     

توطئة:  

        لابد أن نعرف قبل دراسة العلاقات الإنسانية في الرواية أو المسرحية كيفية بنائها. والخطوة الأولى بالنسبة إلينا هي التعرف على الأسس التي تبنى عليها العلاقات الإنسانية في الواقع لأنها تشكل أسس العلاقات في الرواية نفسها.

الأسس الأربعة للعلاقات الإنسانية:

        وأهم قواعد العلاقات الإنسانية أسس أربعة يقوم عليها بناء هذه العلاقات، وتضمن التوازن بينها، وإذا لم تتوفر هذه الأسس أو لم تتوفر إحداها، اختلت العلاقة وأصبحت شاذة وغير سوية، وهي:

1-الاحترام المتبادل:

        إذ أن كل علاقة بين اثنين يجب أن تقوم على احترام كل منهما الآخر مهما كان جنسه (ذكرا أم أنثى)، أو عرقه، أو دينه أو مذهبه السياسي أو منزلته الاجتماعية أو ثقافته.

        وانعدام الاحترام في علاقة الزواج يؤدي إلى استبداد أحد الطرفين بالآخر، (وغالبا ما يكون الزوج)، وحرمانه من أبسط حقوق التعبير، والمشاركة في إبداء الرأي، بالنسبة لأمور البيت والأولاد. واستبداد فرد من أفراد الأسرة يؤدي إلى تربية شاذة يصبح فيها الأولاد مهزوزي الشخصية، وانعدام الاحترام بين المحبين والأصدقاء يِؤدي إلى تقطع أواصر المحبة والصداقة، وانعدام الاحترام بين الجيران يؤدي إلى انقسامهم إلى شيع وطوائف والشجار الدائم بينهم، وانعدام الاحترام بين الرئيس ومرؤوسيه يؤدي إلى استبداد الإدارة أو انحلالها، وظهور أعراض النفاق والمحسوبية والرشوة بين الموظفين. وانعدام الاحترام بين الدول يؤدي إلى هيمنة قويها على ضعيفها بشكل من أشكال الاستعمار المباشر أو غير المباشر.

2-الثقة المتبادلة:

        نحن نمنح احترامنا لكل الناس بصرف النظر عن بيئتهم أو جنسهم أو عرقهم أو دينهم أو فقرهم أو غناهم لأنهم بشر، والبشر متساوون في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ولكننا لا نمنح ثقتنا لكل الناس ولا نضعها في غير موضعها. ومن يستحقها يجب أن يكون خلوقا وأمينا.

        والثقة المتبادلة أساس كل علاقة سوية، فإذا كان الزوجان يثق كل منهما في الآخر كمستودع لسره، وأمينا على ماله وعرضه، كان حظهما من النجاح كبيرا، وإلا فضح كل منهما أسرار الآخر في أول شجار، أو نقل من أخبار البيت ما لا يجوز أن يتجاوز الجدران. زد على ذلك ما يمكن أن يصيب الأولاد من ضرر في تنشئتهم وتربيتهم.

        وانعدام الثقة بين الجيران يؤدي إلى خوفهم من بعضهم بعضا وتربص أحدهم بالآخر، وكثرة الأقاويل والشائعات بينهم، وانعدام الثقة بين الرئيس ومرؤوسيه في الوظيفة يؤدي إلى تعطيل المعاملات وانتشار الدسائس، وانعدام الثقة بين المحبين والأصدقاء يوقع القطيعة بينهم، وانعدام الثقة بين أعضاء الحزب والجمعية الواحدة، يوقع الشقاق والصدام بينهم، بحيث يتم كل يوم انتخاب رئيس جديد وسحب الثقة من آخر. وانعدام ثقة المواطنين بالدولة يؤدي إلى كثرة الإضرابات والشغب والفتن. وانعدام الثقة بين الدول يؤدي إلى سوء العلاقة بينها مما قد تنجم عنه مناوشات وحروب على الحدود.

3-التعاون:

        والمقصود هو تعاون كل من الطرفين في إنجاح هذه العلاقة، بالقيام بواجبه اتجاه الطرف الآخر، فالتعاون بين الطرفين في الزواج يعني أن يساهم كل منهما بالقسط المطلوب منه في القيام بأعباء المنزل وتربية الأولاد. والتعاون بين الصديقين معناه أن يساعد كل منهما الآخر عند الحاجة، فالصداقة أخذ وعطاء، والصديق وقت الضيق. والتعاون بين الجيران يقضي أن يتعاونوا في تنظيف الحي أو العمارة وتزيين المحيط، وأن يتعاونوا في السراء والضراء، في الأعراس والوفيات والكوارث كالحرائق والزلزال، والتعاون بين الموظفين لا يجوز أن يكون إلا لمصلحة الوظيفة أو المواطن، لا التعاون على نهب المواطن ونهب أملاك الدولة. والتعاون بين الدول يقوم على أساس مصلحة الطرفين.. وهكذا.

4-العواطف المتبادلة:

        خلق الإنسان ألوفا وقديما قال المتنبي:

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا     لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

شرح ديوان المتنبي (4) ص421

وكل علاقة لابد أن تحدث ألفة بين الطرفين تزيد درجتها وتنقص بمقدار نوع هذه  العلاقة وقوتها، فهي غرام وحب بين المحبين، ومحبة بين الزوجين وأفراد الأسرة الواحدة، ومودة بين الصديقين، وتآلف بين الجيران، وبين أبناء البلد الواحد، في الأعياد والأفراح والمصائب. وتعاطف بين الشعوب في أفراحها وفي أتراحها وكوارثها، إذ تتعاطف الشعوب كلها مع شعب أصيب بزلزال أو فيضان، وهذا التآلف العاطفي ضروري في كل علاقة عاطفية أو أسرية أو حزبية أو جمعوية أو نقابية أو وطنية. وانعدام هذا التعاطف يؤدي إلى فقدان أساس قوي من أسس العلاقة، مما يهددها بالفشل.

        والتوازن في هذه الأسس الأربعة يختلف من علاقة إلى أخرى، فالعواطف لها المقام الأول والنصيب الأوفر في علاقة الحب، وفي علاقة الأم بابنها مثلا، ولكنها تصبح مجرد تعاطف إنساني في العلاقات المهنية والوظيفية التي ينظمها القانون لا العواطف.

العلاقة الإيجابية والعلاقة السلبية:

        فإن توفرت هذه الأسس الأربعة في العلاقة بين الطرفين كانت العلاقة إيجابية، وإن انعدمت كانت العلاقة سلبية، وإن توفر بعضها وانعدم بعضها  كانت العلاقة بين بين. وحين تكون العلاقة إيجابية فهذا يعني أن هناك وفاقا بين الطرفين، أما إذا كانت العلاقة سلبية فمن الواضح أن هناك صراعا بينهما.

 

العلاقات الثابتة والعلاقات المتغيرة:

        كما أن هناك شخصيات جاهزة وشخصيات نامية في الرواية، فهناك كذلك علاقات ثابتة وعلاقات متغيرة. والعلاقات الثابتة قد تكون إيجابية طيلة أحداث الرواية، كبعض علاقات الحب التي لا نجد فيها صراعاً بين الحبيبين، بل نجد صراعاً بينهما من جهة، وبين خصومهما من جهة أخرى، وعلاقات البطل مع بعض الشخصيات الثانوية الجاهزة كالأم الحنون، والطبيب الإنساني، والإمام الناصح. وقد تكون سلبية طيلة أحداث الرواية بين شخصيتين متنافستين، ولكن العلاقات الإنسانية بصورة عامة لا تسير في خط واحد بل تتبدل وتتغير نتيجة لتغير العواطف والمصالح والتجارب والسن وغيرها من العوامل.

الصراع في الرواية:

        هناك نوعان من الصراع في الرواية:

 1. الصراع بين طرفي العلاقة: حيث نرى طبيعة العلاقة في نهايتها تختلف عن بدايتها نظرا لهذا الصراع الذي يؤدي إلى تطورها سلبا أو إيجابا.

الصراع بين طرفي العلاقة والعالم الخارجي: وقد نجد في الرواية أحدهما أو كليهما.

        وقبل أن نقدم نموذجا روائيا من بناء علاقات الزواج، لابد من الحديث عن طبيعة هذه العلاقة.

 

 لقراءة الجزء التالي انقر هنا: كيفية بناء علاقة الزواج

لقراءة الجزء السابق انقر هنا: تمهيد: تعريف العلاقات الإنسانية وأنواعها

 للاطلاع على فصول الكتاب، انقر هنا:  الشخصية

للاطلاع على الكتب الأخرى، انقر هنا:  كتب أدبية وتربوية