تابع الفصل الأول

 

 

من كتاب "العلاقات الإنسانية"

للكاتب: عبد الله خمّار

 

 

كيفية بناء علاقة الزواج

 

 

        الزواج: هو الرباط الشرعي الذي يربط بين الرجل والمرأة بغية تكوين أسرة سعيدة، وإنجاب أولاد صالحين، ويتعهد فيه الطرفان بأن يعيشا معا في السراء والضراء، وهو علاقة طبيعية وعاطفية واجتماعية.

         وهو من أهم العلاقات الإنسانية، وتنتج عنه الروابط الأسرية كالأمومة والأبوة والأخوة والبنوة، كما تنتج عنه علاقات النسب وعلاقة المصاهرة. وقد حضت عليه الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فهو الخلية الأولى التي يتكاثر عن طريقها الجنس البشري بصورة منظمة، تحفظ حقوق النساء، وتحمي الأولاد من الضياع، والمجتمع من الفوضى والأنساب من الاختلاط.

        والعلاقة بين المرأة والرجل علاقة لا بد منها، ربطت بينهما الحياة برباط لا يمكن فصمه، وجعلت كلا منهما النصف المكمل للآخر. لا تطيب الحياة إلا به، ولا يتمتع بزينة الحياة الدنيا من ولد إلا معه، ولا مال إلا برفقته، ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر إذا أراد أن يحيا حياة طبيعية، ومع ذلك فعلاقتهما تبدو أحيانا شديدة البساطة، وأحيانا أخرى بالغة التعقيد، وتتميز بحلاوة الشهد تارة وبمرارة الدموع أخرى، بالود والوئام أحيانا، وبالصراع الذي قد يصل إلى إعلان الحرب فالهدنة فالصلح، فالحرب مرة أخرى، ومن الصعب إذا كان الطرفان مشاكسين أن يستسلم أحدهما أو يعترف بأخطائه وتكون القطيعة، أبغض الحلال إلى الله.

        وليس هناك نموذج واحد للرجال يمكن أن تدرسه المرأة وتحفظه وتعرف كيف تتعامل معه، فهناك المتسلط، والمدعي، والأناني، والعطوف، والغيور، والبخيل والمتسامح وغيرها من النماذج، كما أنه ليس هناك نموذج واحد للمرأة يتدرب الرجل على التعامل معه، فهناك من النساء المغرورة والمسترجلة، والمغناجة، والخجولة، والحنونة والقنوعة والمتسامحة ومن أكبر عيبو الرجل الاستبداد والبخل، ومن أكبر عيوب المرأة تجاوزها في الإنفاق قدرات زوجها المادية لمجاراة غيرها من النساء، حيث أن بعضهن ينطبق عليها القول الشائع:

        "المرأة والطفل الصغير، يظنان أن الرجل على كل شيء قدير."

        ولاشك أن كل علاقة بين اثنين ولاسيما الزوجين يجب أن تقوم على أساس من المحبة المتبادلة والثقة، واحترام كل منهما الآخر، والتعاون في بناء الأسرة بحيث يتقاسمان الأعباء المادية والمعنوية، فإن بغى أحدهما على الآخر أو تسلط عليه، أو ارتبط به سعيا وراء مصلحته الفردية، أو تنافرت طباعهما أو اختلفا في النظرة إلى المبادئ والقيم، تداعى بناء هذا الصرح، وكانت المأساة التي تتحول إلى كارثة إن كان هناك أولاد.

        وتختلف طبيعة الزواج باختلاف الثقافة والطباع والأمزجة، فهناك زواج العقل، وزواج الحب، وزواج المصلحة، وزواج البيع والشراء، كما أن هناك الزواج العصري الذي يتعارف فيه الزوجان ويختار كل منهما الآخر، والزواج التقليدي الذي تفصل فيه العائلتان.

توازن الأسس الأربعة في الزواج:

        ولاشك أن زواج المصلحة وحدها يجعل الزواج خلوا من العاطفة وهي أحد الأسس الهامة، كما أن زواج الحب وحده يجعل العاطفة الأساس الوحيد في العلاقة، وربما يكتشف أحد الزوجين أن الطرف الآخر غير أهل للاحترام والثقة، لانحرافه أو استبداده أو أنانيته، أو أنه يلقي عليه كل الأعباء تواكلا وانتهازية، فينقلب الحب إلى كره.

        ولابد من التأكيد على توازن الأسس الأربعة وعدم إغفال أحدها، لأنها المعيار الذي نستطيع به قياس إيجابية العلاقة أو سلبيتها، وكثيرا ما تستمر العلاقات السلبية سنوات طويلة بدافع الحاجة أو بحكم العادة، وخضوعا لأعراف الأسرة وتقاليدها، فليس استمرار العلاقة دليلا على إيجابيتها.

بناء علاقة الزواج:

        من البديهي أن كل شخصية في الواقع ترتبط بشبكة علاقات معقدة فالرجل هو ابن وزوج وأب وقريب وجار ورئيس ومرؤوس...الخ. أما في الرواية فينتقي الكاتب من هذه العلاقات ما يرتبط بموضوع الرواية، ويركز عليها، ويهمل العلاقات الأخرى أو يشير إليها إشارات عابرة. ولكل كاتب طريقته في بناء الشخصيات ونسج العلاقات بينها. ولغرض دراسي بحت سنفترض أن الكاتب يحدد مقومات شخصيته وفق العلاقة التي يريد بناءها، لأن هدفنا من بناء العلاقة هو فهم التلميذ للعلاقات في الرواية، ليتمكن من دراستها. ولابد من الإشارة إلى أن بعض الكتاب يجعلون الشخصيات يتفاعل بعضها مع بعض بعد بنائها دون خطة مسبقة، ووفقا لمقوماتها التي يمكن أن تتبدل أو تتعدل خلال الكتابة. والمخططات التي  نضعها سواء للبناء أو للدراسة هي مخططات استرشادية لمساعدة التلميذ على البناء والفهم.

كيفية بناء علاقة الزواج:

        ويبني الكاتب علاقة الزواج وفق المراحل التالية:

أولا- تحديد الفكرة المستهدفة:

        يحدد الكاتب منذ البدء الفكرة المستهدفة من هذه العلاقة، كأن يبدي رأيه في موضوع الزواج بالأجنبيات من خلال إبراز اختلاف البيئة والثقافة وتأثيرها السلبي في العلاقة الزوجية، وفي الصراع بين الزوجين على تربية الأطفال، أو يبرز عيوب زواج كبار السن بالفتيات الصغار. أو يبين لنا عواقب الزواج المبني على العاطفة وحدها، دون النظر إلى المقومات الأخرى، وهكذا فالفكرة المستهدفة هي مفتاح بناء العلاقة، وعلى أساسها يبني الكاتب مقومات الشخصيتين ليبرز الاختلاف في البيئة والثقافة بينهما في المثال الأول، وفي السن في المثال الثاني. وهكذا...

ثانيا- بناء شخصية كل منهما:

        بإبراز مقوماته الجسمية والنفسية والإجتماعية، وإظهار الانسجام في هذه المقومات بينهما إذا كانت العلاقة سوية وناجحة، والفروق في إحداها أو بعضها إن لم تكن كذلك وفقا للفكرة المستهدفة وهو ما يؤدي إلى زعزعة إحدى الأسس الأربعة للعلاقات أو أكثرها وهي:

        الاحترام المتبادل، الثقة المتبادلة، التعاون، العاطفة المتبادلة، وهذه بعض الفروق في المقومات وأثر كل منها على العلاقة الزوجية، على سبيل المثال لا الحصر:

أ-البعد الجسمي:

1- الشكل والمظهر: حيث يكون أحد الزوجين وسيما أو جميلا، ويكون الآخر دميما، أو يكون أحدهما معاقا والآخر سليما. مما يولد
خوف أحدهما وغيرته ويؤدي ذلك إلى تزعزع الثقة بينهما.

ب-البعدان النفسي والاجتماعي:

        1- :النشأة والبيئة: أن يكونا من بيئتين مختلفتين: من المدينة والقرية، أو من عرقين أو جنسيتين مختلفتين، وقد يؤدي هذا إلى تعالي أحدهما على الآخر، وزعزعة الاحترام بينهما.

        2-الذكاء: كأن يكون أحدهما شديد الذكاء والآخر في منتهى الغباء، مما يؤدي إلى احتقاره وانعدام الحوار بينهما.

        3-الثقافة: أن يكون أحدهما متعلما والآخر جاهلا، أو أحدهما واسع الثقافة والثاني محدودها، مما يؤدي أحيانا إلى حوار الصم وبالتالي إلى فقدان الاحترام بينهما.

        4-المنزلة الاجتماعية: أن يكون أحدهما فقيرا والآخر شديد الغنى، فيتعالى عليه بماله وينعدم الاحترام بينهما.

        5-الطباع: كأن يكون أحدهما مستبدا فيصادر حرية الآخر وينتقص من قدره واحترامه، أو أن يكون كسولا أو بخيلا أو أنانيا فيتزعزع أساس التعاون بينهما، وقد يكون أحدهما مبذرا متلافا مما يؤثر على ثقة أحدهما بالآخر.

        6-الجانب الانفعالي الوجداني:

                ا-المزاج: قد يكون أحدهما انطوائيا لا يحب أحدا، والآخر اجتماعيا يحب الأهل والأصدقاء والجيران مما يؤدي إلى انعدام التعاون بينهما.

                1-1-الانفعالات: قد يكون الاثنان عصبيين، وقد يكون أحدهما عصبيا والآخر هادئا وربما يؤدي ذلك إلى الشقاق والخصام وبالتالي إلى فقدان الاحترام بينهما.

                1-1-1-العواطف: قد يكون أحدهما جامح العواطف والآخر باردا، وقد تكون عواطف أحدهما نرجسية تتجه نحو ذاته، أو أن يكون أحدهما شديد الغيرة على الآخر، فيؤدي ذلك إلى تزعزع الأساس العاطفي بينهما.

        7-الأخلاق والقيم:

        الغاية والدافع والوسيلة:

        وينتج في الاختلاف في النشأة والتربية والطباع والمزاج اختلاف في الأخلاق فقد يكون أحدهما كاذبا أو سكيرا أو مقامرا أو مستهترا بالأخلاق فيفقد احترام الطرف الآخر وثقته وقد يكون الاختلاف في القيم أي في الغاية والدوافع والوسيلة بالنسبة إلى الحياة والنظرة إليها، كأن تكون غاية أحدهما مادية أنانية ضيقة، والثاني عامة وطنية أو أدبية فنية، وقد تكون دوافع أحدهما نبيلة كحب الوطن والآخر دنيئة كحب المال ولو بخيانة الوطن، وقد تكون وسيلة أحدهما في الحياة والكسب وتحقيق غايته شريفة، وتكون وسيلة الآخر انتهازية أو غير مشروعة كالنفاق والغش والسرقة والخيانة والتهريب والاتجار بالمخدرات...الخ

        ثالثا: تحديد الجوانب الإيجابية والسلبية في العلاقة:

        من خلال الأسس الأربعة وهي: الاحترام والثقة والمحبة والتعاون.

        رابعا: تطور العلاقة ونهايتها في الرواية:

        وفي كثير من الأحيان يشابه مخطط بناء العلاقة، مخطط بناء الرواية، ويمكن أن نوجزه فيما يلي:

   1-العرض التمهيدي: وفيه يقدم الكاتب طبيعة العلاقة وطرفيها وأهم مقوماتها، وغاياتهما ودوافعهم.

   2-الفعل الصاعد: ويتضمن الأحداث المتسلسلة التي تبدأ بالتأزم بينهما نتيجة الاختلاف في المقومات، أو بتأثير عوامل خارجية، وهكذا يتصاعد الفعل ويتأزم حتى يصل إلى الذروة.

   3-العقدة: وهي بلوغ الأحداث ذروتها، حيث تتعقد العلاقة بين الطرفين أو بينهما وبين الأطراف الأخرى المعارضة لعلاقتهما (وهذا ما نراه في علاقة الحب مثلا).

   4-الفعل النازل: ويتضمن الأحداث المتسلسلة التي تبدأ بفك العقدة شيئا فشيئا حتى تصل إلى الحل.

   5-النتيجة: وفيه نرى طبيعة العلاقة الجديدة بعد التغيير الذي طرأ عليها وعلى الشخصيات. ومن الطبيعي أن يتزامن بناء الشخصيات وتطورها مع بناء العلاقات وتغيرها. وبناء الموضوع وتوالي الأحداث.

        إلا أن هذا المخطط يصلح للعلاقة أو للعلاقات الأساسية والمتغيرة في الرواية، أما العلاقات الثانوية فهي تساعدنا في إلقاء الضوء على العلاقات الأساسية.

الصراع:

        وكما رأينا في المخطط، فالكاتب يقدم لنا في العرض طبيعة العلاقة عند بداية الرواية، إيجابية أو سلبية وفي النتيجة طبيعة العلاقة عند ختام الرواية، أما الفعل الصاعد والعقدة والفعل النازل، فتبين لنا الصراع الحاصل بين الطرفين، إن كان صراع مصالح أو صراعا أخلاقيا حول القيم أو عاطفيا...الخ، وقد يكون الصراع بينهما وبين العالم الخارجي، إذا كان هناك وفاق بينهما.

أسباب الصراع بين الطرفين:

        هناك عدة أسباب تتسبب في الصراع بين الطرفين وبالتالي زعزعة أسس العلاقة وجعلها سلبية وأهمها:

                   1-الفروق الكبيرة في المقومات الجسمية والنفسية والاجتماعية بين الطرفين، فالفرق الكبير في السن أو الثقافة أو في المنزلة الاجتماعية أو في الطباع قد يؤثر سلبا على علاقة الطرفين. ولا يعني هذا أن مقومات الطرفين يجب أن تتطابق تماما، فيمكن أن يتجاوز الطرفان كثيرا من هذه الفروق إذا لم تكن في أحدهما تلك الصفات البغيضة كالاستبداد. والتكبر على الآخرين والأنانية والطمع وغيرها من الصفات التي تفسد أي علاقة.

                   2-الدسائس التي يقوم بها الآخرون لإفساد العلاقة، من الأقارب أو الأصدقاء أو الأعداء.

                   3- تغير حياة الأسرة نتيجة عوامل خارجية، كنقل وظيفي، أو تجنيد إلى الحرب، مما يباعد بينهما، ويعرض أحدهما إلى تجربة عاطفية تفسد العلاقات بينهما. وقد يكون التغيير نتيجة مرض أحدهما مرضا مزمنا أو إعاقته أو بطالته المفاجئة.

الصراع بين الطرفين والعالم الخارجي:

        قد تظل العلاقة إيجابية بين الطرفين طوال أحداث الرواية لأن الصراع لا يجري بين الطرفين وإنما يجري بينهما وبين خصومهما في الرواية.

 

لقراءة الجزء التالي انقر هنا: نموذج: الزواج غير المتكافىء( محمد ديب)

لقراءة الجزء السابق انقر هنا: الفصل الأول: بناء العلاقات الإنسانية وأسسها الأربعة

 للاطلاع على فصول الكتاب، انقر هنا: العلاقات الإنسانية

للاطلاع على الكتب الأخرى، انقر هنا:  كتب أدبية وتربوية