رواية جرس الدخول إلى الحصة
للكاتب عبد الله خمّار
-12-
الثلاثي الثالث
مدير أم سجّان ؟
104-105
كان أسوأ ما في مرض آكلي بالنسبة إلى الثانوية هو تولي الناظر سالم الزين الإدارة بالوكالة. فوضته الوزارة بصلاحيات المدير الكاملة. وأول قرار علقه المدير الجديد في قاعة الأساتذة يوم الثلاثاء 17 أفريل موعد استئناف الدراسة هو تحديد مواعيد استقباله. خصص يوم الاثنين لاستقبال الأساتذة، خارج أوقات عملهم، ويوم الخميس لاستقبال أولياء التلاميذ. وكان ثاني القرارات تجميد الأنشطة الأدبية والفنية مؤقتا ريثما يتم تنظيمها. وهو ما يعني نية فرض رقابة عليها في المستقبل. كما أوقف في القرار نفسه نشاط الرحلات والمقابلات الرياضية إلى أجل غير مسمى. كان الثلاثي الأخير عادة حافلا بالرحلات العلمية والترفيهية لطول نهاره وجودة الطقس فيه، والتلاميذ ينتظرونه بفارغ الصبر لينطلقوا كل أسبوع إلى تيبازا والشريعة ودلّس وتيكجدة وغيرها ويتعرفوا على تاريخ بلادهم وآثارها عبر العصور، وجغرافية منطقتهم وتضاريسها وتركيبها الجيولوجي. وكان ثالث القرارات وليس آخرها بالطبع، توحيد النصوص المدروسة والمطبوعة في كل مادة، وتوحيد نصوص الامتحانات في الأقسام بحجة التنسيق بين الأساتذة. والتنسيق عادة هو الاتفاق على معايير اختيار النصوص والأهداف المتوخاة منها. لكن التنسيق في عرف الناظر له معنى مختلف هو أحادية النص وأحادية الفكر والتكوين لتسهيل الرقابة.
أصبح مقر الناظر غرفة المدير. لم نكن نراه بل نتلقى قراراته التي تنتهي دائما سواء بالعربية أم بالفرنسية بالجملة الآتية: "كل مخالفة لهذا القرار تعرض مرتكبها للمساءلة القانونية". ساد الثانوية جو كئيب، وتحولت شيئا فشيئا إلى سجن رهيب للأساتذة والتلاميذ. وبعد أن كانوا يشعرون أنها لهم جميعا، أصبحت ملكا خاصا للناظر يسيرها كما يشاء دون مشاركتهم. تغير المقاولون الذين يزودون الثانوية بالمواد الغذائية بعد حلول الناظر محل المدير ومقادري بدل العروسي في مجلس إدارة الثانوية. وليس هناك شك في نزاهة مقادري، لكنه يوقع على الميزانية دون معرفة بفحواها. تقلصت وجبة التلاميذ في المطعم كمّاً ونوْعاً. لم يعد الناظر يذهب إلى المطعم بل هو الذي يأتي إليه فترى العمال يحملون قدور اللحم والطعام وأطباق الفاكهة يوميا إلى شقته.
تذكرت آكلي وقفز إلى ذهني فجأة ما قاله لي مرة عن سالم الزين: "يعتبر الناظر نفسه أحق مني بالإدارة فأنا لا أحسن العربية، وهو أحق من المديرين المعربين الذين لا يحسنون الفرنسية لأنه مزدوج اللغة متمكن من اللغتين". غير أنه مزدوج اللغة اسماً لا فعلاً، فليس متشبّعاً بقيم الحضارة العربية الإسلامية مثل العروسي؛ فهو لا يحفظ شيئا من القرآن الكريم أو الحديث الشريف، ولا يعرف مذاهب الفقه السني والشيعي وفلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب والأندلس وآراءهم وأعمالهم، ولم يدرس التاريخ العربي الإسلامي، ولا يحفظ شيئا من الشعر العربي والأمثال والحكم. كل ما يعرفه بعض الأبيات التي أجبر على حفظها وهو صغير في حصة المحفوظات للمتنبي والمعري وشوقي وأبي ماضي، يستشهد بها في غير مواضعها للدلالة على تبحّره في الأدب.
وليس متشبّعاً مثل آكلي بقيم الحضارة الغربية؛ فهو لا يعرف إلا قليلا عن الميثولوجيا الإغريقية وما نجم عنها من أدب الملاحم والمسرحيات، وعن فلاسفة اليونان ومدارسهم. ولا يحفظ شيئا من العهدين القديم والجديد في الكتاب المقدس. ولا يعرف الكثير عن مفكري عصر النهضة والثورة الفرنسية والمذاهب الفلسفية التي أثرت في توجهات القرنين التاسع عشر والعشرين وتطور المذاهب الأدبية والفنية. ولا يعرف من الأمثال والحكم إلا ما يستشهد به العامة في أحاديثُهم، وكل ما يعرفه من الأدب الفرنسي بعض النصوص التي بقيت في ذهنه للشاعرين فيكتور هيغو ولامارتين. اللغة حضارة وهو لم يتمثل القيم العظيمة لأي من الحضارتين".
قلت في نفسي: "لا تعرف العامة عندنا مقومات حضارتنا ولكنها تشبعت بقيمها ومثلها تشبعا نقليا ووراثيا لم يستوعبه الناظر لأن له قيمه الخاصة التي يؤمن بها، وهي موجودة في كل الحضارات وفي كل العصور. إنها قيم التسلق إلى القمة بأي وسيلة، وانتهاز الفرص وتبادل المنافع، ووضع المصلحة الشخصية فوق كل اعتبار. هي قيم من لا يحسنون البناء بل يحسنون استغلال ما بناه الآخرون. إنها قيم الانتهازيين في كل زمان ومكان".
تحسنت حالة آكلي وخرج من المستشفى على أن يتابع العلاج في المنزل. زاره الأساتذة تباعا ولم يذكر أحد له شيئا عن تصرفات الناظر ترفقا به، وخوفا من انتكاسته. واظبت على زيارته مع وجدي، وقضاء بعض الوقت معه لتسليته. كان عصام يرافقنا أحيانا، وتفرح نوارة بزيارتنا له لأنها تحس بسعادته بنا وترقبه لزيارتنا. مضت الأيام بطيئة ثقيلة في المؤسسة برغم القصر النسبي للثلاثي الثالث حتى ظننا أن هذا العام ليس له نهاية، وأن عطلة الصيف لن تأتي أبدا.
- 106 -
الطقس ربيعي جميل، وحديقة الثانوية ازّيّنت بكل أنواع الزهور والورود التي يصل عطرها وعبيرها الزكي المنعش إلى الأقسام من خلال النوافذ المفتوحة. لكن تأثيرها في النفوس لم يكن كبيرا، فالتناقض صارخ بين بهجة الطبيعة وانطلاقتها وسحب الغم والهم والكآبة التي تخيم على المؤسسة. وليس هناك أمل في نشاط أدبي أو فني أو في حفلة أو رحلة تروح عن النفوس وتشحنها بالفرح والأمل من جديد.
كائنان فريدان استجاب قلباهما لنداء الربيع ودعوته إلى الحياة والحب، فكان مرآهما معا يدخل قدرا من السرور ويرسم البسمة على وجوه من يحبهما، ويثير الغيرة والحسد في نفوس آخرين. إنهما بالطبع فايزة ووجدي. تحولت فايزة شيئا فشيئا من تلك القطة الشرسة المتحفزة لخمش كل من يقترب منها بدافع الخوف إلى إنسانة دمثة اجتماعية واثقة من نفسها في علاقاتها مع الرجال. ولا شك أنها بذلت مجهودا كبيرا للخلاص من خوفها. لكن الفضل يعود مع ذلك إلى من ساندها وصبر عليها وتحمل شراستها ليعالجها بعد أن أدرك طيبة قلبها وأحبها. وقد بادلته هذا الحب في البداية رغما عنها ثم عن رضا ووعي منها ثم عن عمد وتصميم. وجدت فيه الرجل الذي كانت تحلم به منذ صغرها ولقيت في كنفه التفهم والرعاية والأمان والحنان. كانت أحيانا تحب مداعبته واستفزازه. كنت أتجه معه مرة إلى غرفة المدرسين فقابلتنا فايزة. قالت لي: "صباح الخير". والتفتت إليه قائلة: "صباح الفول". فأجاب: "نكاية بك سأطعمك فولاً في الإفطار وفولاً في الغداء وفولا في العشاء وستحليّن بالفول أيضا، فالزوج يطعم زوجته شرعا حسب قدرته".
ـ "ومن قال إنا سنعيش في مصر؟"
ـ "حتى لو عشنا في الجزائر فستحرمين من البطاطا، وطعامك لن يكون إلا الفول". وضحكنا.
أسَرَّ لي وجدي بأنه سيخطب فايزة بعد مرور أربعين خالي العروسي، ويرجو أن يتماثل آكلي للشفاء كي يحضر الخطبة. فرحت بهذا الخبر وسألته: "هل اتفقتما أين تعيشان؟"
ـ "ناقشنا الموضوع جديا وهي مستعدة أن تعيش معي في مصر وأنا مستعد أن أعيش معها في الجزائر. تركت لي اتخاذ القرار قائلة بالحرف الواحد: "أنت رجلي وأنا أثق بك ثقة لا حدود لها، وسأذهب معك إلى آخر الدنيا، وأنت الذي تختار أين نعيش، المهم أن نكون معا".
تمت خطبة فايزة ووجدي في منزل أهلها بحي القصبة بعد مرور أربعين العروسي. المنزل مؤلف من طابقيْن مفتوحيْن على الطبيعة وممتزجيْن بها. تعانقت في طراز بنائه الهندسة المعمارية العربية والبربرية والتركية. ساحته المربعة تتوسطها بحرة ونافورة تنبثق منها المياه إلى أعلى ثم تتدفق في البحرة مشكلة زبدا ومحدثة صوتا عذبا رخيما وناثرة حولها رذاذا لطيفا. تحيط بالساحة غرف واسعة ذات نوافذ زجاجية متعددة تمكن أشعة الشمس من الوصول إلى كل زاوية في المنزل. تنتصب على جوانبها شجرة ليمون وأحواض زُرِعَتْ فيها شجيرات الورد والفل والياسمين.
كانت زغاريد النساء المنبعثة من الأسفل وأغانيهن العاصمية الخاصة بالأعراس تتسلل إلى القاعة التي نجلس فيها بالطابق العلوي، وأثناء استراحتهن ينطلق صوت المسجلة بأغنيات الحوزي لفضيلة الجزائرية ومريم فكاي وسلوى. أما عندنا فأسمعنا أحد تلاميذ الشيخ العنقا بصوته وبآلة "السنيطرة" بعض أغاني أستاذه ثم أسمعنا أغنية للباجي.
حرص وجدي على حضور آكلي الذي جاء متوكأ على عصاه، كما حرص على دعوة امرأة خالي وابنتها أمينة، وكنت أزورهما كل أسبوع تقريباً. حضر عصام وأخو العروس وأعمامها وأخوالها وبعض وجوه الحي. وضع أبو فايزة يده في يد وجدي الذي كان يرتدي بدلة بنية ربيعية وربطة عنق صفراء منقطة بالبني والأسود. قرئت الفاتحة، ووقعت أنا وعصام كشاهدين على العقد على أن يتم العرس في الصيف. كان الغداء حسب العادات "شوربة وكسكسي واللحم الحلو والفواكه". ووزعت القهوة والشاي الأخضر ومشروبات حمود بوعلام. دار الحديث عن العلاقات الحميمة بين مصر والجزائر منذ عهد الفراعنة ومملكة البربر ثم تأسيس الدولة الفاطمية في مصر وبناء القاهرة، وتأثر جمعية العلماء الإصلاحية برواد النهضة في مصر ثم مساندة مصر للثورة الجزائرية ماديا ومعنويا وإعلاميا وفنيا.
كان البِشْرُ البادي على الوجوه يعبِّرُ عن الودّ الصّادق في القلوب لهذا الخاطب القادم من الفسْطاط لمصاهرة أبناء القصبة. وهكذا تعانق في هذه الجلسة المشرق والمغرب بعفوية وصفاء لا تكدره سياسة الحكومات المتقلبة أو اتجاهات الأحزاب. دخلت فايزة وجلست معنا بجانب وجدي بعد أن خرج المدعوون. كانت ترتدي سروالا عاصميا لونه زيتي وكراكو أخضر ملائما له. بدت عروسا في أبهى زينتها، ضفائرها ملفوفة في تسريحة هرمية تتناسب مع استدارة وجهها. وقد اختلط الكحل الرباني بكحل الزينة فأظهر اتساع عينيها وفتنتهما. كان العريسان يبدوان في غاية السعادة، وانعكس ذلك في وجهيهما النضرين المتألقين.
ـ 107 ـ
لا علاقة لتعلم اللغة في المجتمعات بالحب والكره، فالطفل يتعلمها بدافع الحاجة إلى التعبير والتواصل مع الآخرين. وكثير من أجدادنا كانوا أميين تعلموا اللغة عن طريق السماع، وكانوا يتناقلون الشعر والحكم والأمثال والحكايات ويتوارثونها شفاها. لكن اللغة عندما تصبح مادة تعلم في المدرسة تغدو كبقية المواد الأخرى خاضعة لحب التلميذ وميله إليها، أو كرهه لها وانصرافه عنها نتيجة عوامل عديدة أهمها الأستاذ وطريقته في التعليم. أدركت هذا في السنة الثانية من تدريس العربية، وأنا أرى كثيرين ممن يدرسون عند مقادري يكرهونها. تذكرت نوارة وكثيرا من نظرائها. وعدت بذاكرتي إلى الصغر، فأنا أحببت العربية وولعت بها في مكتبة خالي مع قصص كامل الكيلاني ومجلة السندباد وروايات جرجي زيدان وغيرها. أدمنت القراءة ثم الكتابة منذ ذلك الوقت. وتذكرت كثيرا من زملائي الذين يكرهون هذه المادة، ويعجبون من حبي لها، وتفوقي فيها. لم تتح لهم مكتبة خالي العربية، كان أساتذتهم يلقنونها تلقينا على طريقة مقادري. إلا أن بعضهم أتيحت له مكتبة مثل مكتبة خالي ولكن بالفرنسية وفرها له أهله في المنزل أو أستاذه في القسم فأدمن القراءة بها وبرع فيها. ونجد بعض التلاميذ الفرنسيين والإنجليز يكرهون مادة لغتهم بسبب أساتذتها. وليس معنى هذا أنهم يكرهون لغتهم. وبالنتيجة فإن الفضل يعود في حب مادة أي لغة كانت والتفوق فيها إلى الأستاذ وطريقته في التعليم، وإلى المكتبة التي يتعلم التلميذ فيها حب القراءة، ثم يتعودها فتصبح سلوكاً يرافقه طيلة حياته.
لا علاقة إذن لحب التلميذ أو كرهه مادة اللغة العربية بالوطنية. ومن الخطأ التربوي اتهام من أحب اللغة الفرنسية وفضل التعبير بها بقلة الوطنية. كان عليّ إذن أن أعمل مع غيري من الأساتذة على تطوير أساليب تعليم العربية لنحبِّبَها إلى التلاميذ ونكسِبَهُمْ عادة القراءة بها. المهمة سهلة في الابتدائي وصعبة في المتوسط وشديدة الصعوبة في الثانوي. ومما يزيد من صعوبتها أننا نتنافس تنافسا غير متكافئ مع أساتذة اللغة الفرنسية والإنجليزية لما لديهم من وسائل حديثة ومؤسسات داعمة.
بدأت هذا العام بتشجيع تلاميذي على زيارة المكتبة، وحاولت ربطهم بها من خلال الوظائف التي أكلفهم بها، كما بدأت أهتم نتيجة لتأثري بطرق تعليم اللغات الأجنبية بالتعبير الكتابي. أدركت أن الكتابة لا تعلم لأنها تتعلق بالأسلوب. ومهمة المعلم أن يعلم التلميذ تقنيات الكتابة، وحين يتدرب التلميذ على الكتابة يكتشف أسلوبه بنفسه.
حرصت على ربط الأدب بالفن، والشعر بالأغنية، والرّواية بالمسرح والسينما، وحث التلاميذ على زيارة المسرح الوطني حين عَرْضِ إحدى المسرحيات الجزائرية والعالمية. وحرصت على تنبيههم إلى الأفلام الجيدة الجزائرية والعربية والعالمية لإدراكي أن الكاتب الروائي والمخرج الإذاعي والمسرحي والسينمائي والشاعر ومؤلف الأغاني وملحنها يتكونون في المدرسة. كنت أهتم كثيراً بالقراءة المعبّرة، فسوف يحتاج إليها في المستقبل كل هؤلاء، كما يحتاج إليها جمهورهم.
لم أستطع التنسيق مع مقادري تنفيذاً لقرار الناظر، فهو يركز على النصوص الطنانة الرنانة الحافلة بالسجع والترادف، والخطب الوعظية. أما النصوص الوصفية التي تنمي الذوق وتربي الحواس، وتقوي ملاحظة التلميذ واهتمامه بما حوله من جماليّات الأبنية والمساجد والقصور والآثار والطبيعة الخلابة، فهو لا يعتبرها بالبديهة أدباً، باعتبارها تدخل في عالم المحسوسات. وعناصرها الأشكال والألوان والأصوات والطعوم والروائح وهي لا ترقى إلى عالم المجردات فلا تستحق الدراسة كأدب.
لم يكن مقادري مستعدا للتبادل أو التنازل، فهو صلب لا يلين ولا يقابلك في الوسط. نسّقت مع الأساتذة الآخرين ممّن يفضي الحوار معهم إلى نتيجة مثمرة لنا جميعا.
ـ 108 ـ
الجو في المدرسة الإنجليزية ليس ثقيلا كجو الثانوية، ولكنه بالنسبة لي ظل كئيبا في غياب جانين. أفتقدها في كل لحظة وفي كل مكان، فكيف بالمكان الذي تعودت أن أجدها فيه دائما. ولولا الأوقات التي كنت أقضيها مع نوارة في درس العربية، وعند زيارتي لآكلي لما استطعت الصبر. ولا أقول هذا بمعنى أن غياب المرأة يعوض بامرأة أخرى، فلا يمكن في الحب أن يحل أحد مكان أحد. نوارة تعرف ذلك ولا تريد أن تكون بديلا لأحد، بل تأمل أن أشفى من جانين لأحبها لشخصها. ليست مستعجلة فهي تدرك أني أحتاج إلى زمن للشفاء والنقاهة لأكون خالي القلب تماما. لكنني أحسست أنها تعتبرني منذ الآن ملكا لها بوضع اليد، ولن تسمح لأخرى أن تقترب مني. قالت لي ذلك صراحة بلهجة مزاح يشبه الجد: "لن أسمح لجانين أخرى أن تكدر صفو حياتك بعد الآن". أما أنا فمرتاح إليها وأتصور أن مستقبلي سيكون معها.
ـ 109 ـ
قاربت السنة الدراسية على نهايتها وبدأت الامتحانات في شهر جوان. لم أستطع التنسيق مع مقادري في اختيار نصوص الامتحان، فهو لم يتعود وضع أسئلة واضحة محددة، وتصميم سلم مسبق لها. يكتب عادة عدة أبيات على السبورة، ويطلب من التلاميذ شرحها وإعرابها. وحين أريته نموذجا من أسئلة الفرنسية تتضمن فهم النص والمحاكمة وإبداء الرأي وتركيب الجمل والتعبير، قال لي مستنكرا: "ما يصلح للفرنسية لا يصلح للعربية. ونحن لسنا مقلدين". أما في التعبير فيملي على التلاميذ بيتين من الشعر ويطلب منهم كتابة موضوع فيهما. وإذا سأله أحد التلاميذ: "هل نستطيع أن نعارض رأي الشاعر يا أستاذ؟". صاح به في سخرية واستهزاء: "تريد أن تعارض رأي الشاعر! ومن أنت؟ طه حسين أم العقاد؟ اكتب موضوعا تؤيد فيه قول الشاعر وكفى".
اكتشف عصام النوري أثناء مراقبة الامتحان تلميذاً لديه أجوبة الفيزياء كاملة ينقل منها، والغريب في الأمر أن التلميذ هو ابن أخ الناظر. أعلم الناظر واستنتج من عدم اكتراثه أنه هو الذي سرّبَ الأسئلة لابن أخيه. سألني بمرارة: "ماذا أفعل؟"
ـ "ضع صِفْراً للتلميذ"
ـ "لكنّه يجب أن يُحَوَّلَ إلى مجلس التأديب".
ـ "بل عمُّهُ الذي يجب أن يُؤَدَّب".
وبالفعل وضع له صفرا، لكنه حصل في المواد الأخرى على معدّلات مرتفعة فنجح بتفوق. وهكذا تحولت الامتحانات إلى مهازل.
حرم التلاميذ هذا العام من حفلة نهاية السنة، كما حرموا من الرحلات العلمية والترفيهية ومن الاشتراك في المنافسات الرياضية المدرسية، وجمدت مجلات الحائط. لا يدرك المدير الجديد أن النشاط جزء من العملية التعليمية بل أهم جزء فيها. ففيه يعبر التلاميذ عن ذواتهم بحرية، ويظهرون مواهبهم الأدبية والفنية والرياضية، ويطبقون بعض ما تعلموه، ويصلونه بالعصر، ويروحون عن نفوسهم، ويجلون الصدأ عنها، مما يمكنهم من متابعة الدروس في قاعات مغلقة طيلة العام، وينمي فيهم روح التنافس البناء في الخلق والإبداع. وفي غياب نقابة حقيقية للأساتذة يصبح دور المدير فعالا وأساسيا في التسيير.
اقتصر حفل ختام السنة على توزيع الجوائز. كان باردا جدا وحضره بعض أولياء التلاميذ. ألقى الناظر فيه كلمة قصيرة مكتوبة شكر فيها الأساتذة، ثم وزعت الجوائز أثناء تناول الشاي. كان ابن أخ الناظر من المُكَرَّمين. هنأه بعض الأساتذة وصفقوا له وشجعوه نفاقا، وهم يعرفون أنه نجح بالغش. تذكرت حفلة السنة الماضية، وقارنت بين الناظر وبين آكلي الذي كان يحترم العلم، ويجري امتحانات نزيهة، ويوزع الجوائز على من يستحقها. كانت المعايير سليمة، وبدأ تزييفها الآن، وحين يصل الزيف إلى العلم يصبح مستقبل المجتمع كله في خطر. فالمدرسة هي الأمل، وحارسة القيم، وإذا فقد الناس ثقتهم بها تتهاوى وتسقط كل القيم.
لقراءة الجزء التالي انقر هنا: 13- العطلة الصيفية: اللغة جسر إلى القلوب والعقول
لقراءة الجزء السابق انقر هنا: 11- عطلة الربيع: نزيل المستشفى
للاطلاع على فصول الرواية، انقر هنا: جرس الدّخول إلى الحصّة
للاطلاع على الروايات الأخرى للكاتب انقر هنا: الرّوايـات