رواية جرس الدخول إلى الحصة
للكاتب عبد الله خمّار
-11-
عطلة الربيع
تملّكني القلق وأنا أفكر في إطعام الأهل والأقرباء القادمين من باتنة وبوسعادة. لم يكن في جيبي سوى دنانير قليلة، لكن قلقي زال حين رأيت أمي وإخوتي قد أحضروا معهم من اللحم والكسكسي والخضراوات ما يكفي لإطعام قبيلة. فحين سمعوا الخبر ذبحوا في الليل في البلدتين ولم يتكل كل منهم على الآخر، واشتروا بقية اللوازم من العاصمة، هذا بالإضافة إلى ما أحضره الأصدقاء والجيران من الخبز واللحم والفاكهة والسكر والقهوة. في الأوقات العصيبة يظهر تضامن الناس المادي والمعنوي على أشده، ليخففوا المصيبة على أصحابها وليواسوهم بإخلاص ويقدموا لهم أحسن العزاء. أحسست بروعة القرابة وقيمة الجيران فيما رأيته من مظاهر التكافل الاجتماعي.
نزل الرجال في شقتي وشقتيْ وجدي وعصام، بينما مكثت النساء في دار خالي وجيرانه طيلة ثلاثة أيام عادوا بعدها إلى باتنة وبوسعادة ومعهم ابنة خالي الكبرى. أعدت السيارة لأخي لأن مخطط رحلتي مع وجدي إلى بوسعادة ذهب أدراج الرياح بعد موت خالي.
عطلة الربيع بدأت منذ يومين، وانشغالي بالمعزين لم ينسني آكلي. اتصلت بداره عدة مرات لكن الهاتف يرن دون أن يجيب أحد. لم أفق من صدمة موت خالي حتى أصبت بصدمة أخرى. فقد توجهت إلى الثانوية بعد سفر أقربائي، فوجدت المقتصد الذي أجابني حين سألته عن آكلي: "أصيب بشلل نصفي، وهو في غرفة الإنعاش بمستشفى مايو ولا يسمح بزيارته لغير ابنته". سألته عن نوارة فأجاب بأنها تعود من المستشفى في المساء وتبيت في الدار مع أختها. اتصلت بها في الليل ووعدتني أن نذهب غدا إلى المستشفى معا.
زرته معها في غرفة العناية المركّزة بقسم الأعصاب وقد وُصِلَ جسمه كله بالآلات والأجهزة، للتغذية وقياس الضغط ونبضات القلب. ابتسم حين رآني وجلست نوارة تحدثه ويستمع إليها، وتمسح وجهه وتسرح شعره بماء الكلونيا وتطبع عليهما قبلاتها الحارة.
خرجنا عدة مرات بطلب من الأطباء والممرضات وعدنا حتى طردونا بعد غياب الشمس قائلين: "لن يحس بوجودكما فقد أعطيناه مهدئا".
قالت لي نوارة: «هذا يحدث كل يوم".
تكررت زياراتي لآكلي في العطلة بصحبة نوارة وأحيانا داسين. وكان يظهر على آكلي الاطمئنان لوجودي إلى جانب ابنته. ونحس بفرحته وهو ينظر إلينا ولكننا لا ندري فيم يفكر. ويحاول الكلام أحيانا فيتلفظ بعبارات غير مفهومة، فنستعيده لنفهم ما يقول فيحرك نصف وجهه الأيسر ويده اليسرى. انعقدت بيننا ألفة وثيقة فلم تكن تتحرج في أن تطلب مني أن أبقى مع أبيها ريثما تنهي بعض أعمالها، أو تكلفني بمراجعة الإدارة في شأن ملفه. كنا نتعامل كصديقين مخلصين يكن كل منا للآخر ودا لا حدود له، واستعدادا للتضحية بالوقت والجهد، وبكل ما يستطيع من أجله.
حدثتها ونحن نتمشى يوميا في أروقة المستشفى حين يخرجنا الأطباء من القاعة عن قصتي مع جانين من ألفها إلى يائها. ولغبائي، وجهلي بالتعامل مع المرأة، قرأت لها الشعر الذي كتبته لجانين. وأحسست من اضطرابها واحمرار وجهها الشديد بغيرتها التي لم تستطع أن تخفيها، ورجتني بصراحة ألا أقرأ لها شعرا كتبته في امرأة أخرى. شعرت أني طعنت أنوثتها في مقتل، ولكن بعد فوات الأوان.
قال الأطباء في البداية: "إن حالة آكلي خطيرة، وهو بين يدي الله"، ثم تزايد الأمل في شفائه وحركته. إلا أنهم أكدوا أنه لن يعود كما كان، ولن يستطيع ممارسة الإدارة بعد الآن.
كنت أظن أن الإدارة سهلة، لكني تعلمت من تجربة آكلي أن الإدارة مجموعة من الآلات المتناغمة التي يقوم كل منها بجزء من العمل بانتظام وتناسق، فإذا كانت آلة واحدة هي التي تعمل والباقي معطلة أو معيقة، فلا بد أن يصيب الإجهاد الشديد الآلة العاملة فتستهلك بسرعة وتنفجر وتتوقف. لم يكن آكلي يعمل وحده لأنه ديكتاتور مستبد، بل على العكس، هو ديمقراطي مشبع بروح التعاون وعمل المجموعة. لكن الاختلاف في القيم بينه وبين الناظر في النظرة إلى وظيفة الإدارة، جعل من مساعده معيقا لا شريكا. بالإضافة إلى أن المراقب العام رغم إخلاصه محدود وحرفي، لا يملك زمام المبادرة لاتخاذ القرارات ويخاف من المسؤولية. أدركت أن معظم المؤسسات في الدول النامية تعتمد على الفرد، فإن كانت المؤسسة نشيطة مزدهرة فمديرها هو السبب، وإن كانت خاملة ومفلسة فمديرها هو السبب أيضا. كان آكلي يثق بالعروسي ويعتمد عليه كصديق ورفيق ناصح مخلص في الشؤون التربوية، أبعد ما يكون عن نصحه بما يحب. كان ساعده الأيمن في الإدارة، لذلك كانت الصدمة شديدة عليه بفقده.
سمح الأطباء بعد أيام بزيارته بعد تحسنه الطفيف وزوال الخطر. زاره وجدي وعاد متأثرا. لم يتحدث معي طيلة طريق العودة. دخل إلى شقته وسمعته يعزف مقطوعات حزينة أوربية وعربية طيلة المساء. كان يحرص على الذهاب إليه في أوقات الزيارة، وكان أحيانا يحدثه بالإيطالية، فيجيب آكلي ببعض الكلمات. كنا نرى السعادة في عينيه، كان يمد يده اليسرى ويطبق على يد وجدي وهو الأمر الذي لم يفعله مع أحد غيره. كانا يتحاوران ولا أعرف فيم يتحدثان.
قبل نهاية عطلة الربيع وصلتني رسالة قصيرة من جانين رداً على رسالتي الأخيرة تقول فيها:
"حبيبي عابد
أعتذر عن قساوة رسالتي الأخيرة. أنت محق فنحن من عالمين مختلفين. كان الحب أقوى من اختلافنا فجمعنا. لكن انتماءاتنا وقناعاتنا بها أقوى من أن تجعله يستمر. سيبقى حبنا ذكرى جميلة لكلينا، وستبقى قصائدك أجمل وأغلى ما كتب لي، ودررا غالية، سأحتفظ بها لآخر يوم في حياتي".
التعيسة جانين
أدركت أن هذا آخر عهدي بجانين. تحول كل منا إلى ذكرى بالنسبة إلى الآخر. ذكرى جميلة وأليمة لا تنسى، ولكنها من الماضي، أما الحاضر والمستقبل...
لا أدري لماذا حين فكرت بالحاضر والمستقبل برزت أمامي صورة نوارة بأبهى ما تكون الصورة من الوضوح والتجسيم. وقلت في نفسي: "يا هل ترى؟"
لقراءة الجزء التالي انقر هنا: 12- الثلاثي الثالث: مدير أم سجّان؟
لقراءة الجزء السابق انقر هنا: 10- الثلاثي الثاني: مفاجآت ليست في الحسبان ب
للاطلاع على فصول الرواية، انقر هنا: جرس الدّخول إلى الحصّة
للاطلاع على الروايات الأخرى للكاتب انقر هنا: الرّوايـات