الفصل السادس

من رواية "القاضية والملياردير"

للكاتب عبد الله خمّار

 

الخيط السادس: الاتهام

-65-

توجه فاتح يوم السبت إلى مركز رعاية الأيتام في البليدة وطلب من المديرة أن تريه بعض ملفات أطفال المركز ومن ضمنها ملف سوسن لأنها بدأت طفولتها فيه. كانت المديرة على علاقة وطيدة بالسيدة هدى أم فاتح رئيسة جمعية إغاثة الأمهات العزباوات ولم تشك لحظة في نوايا فاتح.  استغرق البحث في السجلات وقتا طويلا للوصول إلى السنة التي ولدت فيها سوسن، فالسجلات مكدسة في مخزن يوجد فيه الكثير من المهملات وقد علاها الغبار. وحين فتحت صفحة السجل التي ذكر فيها اسم سوسن وجد مكتوبا فيها: الاسم : سوسن. الجنس: أنثى. اسم الأب: محمد أمين. اسم الأم: سميحة، ثم شطب على سميحة وكتب صبيحة. وكتبت ملاحظة بجانبها: بعد الاتصال بمستشفى مصطفى تبين أنه لم تدخل امرأة في ذلك اليوم إلى الإسعاف باسم سميحة بل نقلت امرأة اسمها صبيحة وماتت في نفس الليلة ولا يعرف لها لقب أو أقارب أو عنوان، ثم توقيع مديرة المركز في ذلك الوقت وقد ألصقت بالصفحة وثيقة القابلة التي تبين أن اسم الأم سميحة .

قضى فاتح طيلة الأسبوع تقريبا في المركز وهو يجمع معلومات عن سوسن من مديرة المركز والعاملات فيه وكذلك الأطفال. وفي يوم الجمعة توجه مبكرا إلى المركز ليلتقي بسوسن ويستكمل منها المعلومات بصورة غير مباشرة فوجدها بجانب المكتبة تتحدث مع شاب وسيم أبيض حديثا وديا انبسطت له أساريرها ورأى ابتسامتها العذبة وهي تهمس في أذن الشاب فيبتسم بدوره لها ويشير لها مودعا. أحس بشعور غريب نحو هذا الشاب، شعور كره، وتساءل: "ترى من يكون؟ وما علاقته بسوسن؟" أدرك أنه يغار، فطرد هذه الفكرة من ذهنه. لم يشأ الاعتراف بأن سوسن بدأت تتسلل إلى قلبه دون أن يشعر.

سألها بعد أن رأى تعلق الأطفال بها واهتمامها بكل واحد منهم ومعرفتها التامة بيومياتهم واهتماماتهم: "لماذا كل هذا الاهتمام بهؤلاء الأطفال؟"

ابتسمت في وجهه مجيبة: "لأنني مثلهم مجهولة النسب. ولكن الظروف ساعدتني وكنت محظوظة ووجدت من ينتشلني من المركز ويمد لي يد المساعدة ويكفلني. أما هؤلاء فلا أدري ما الذي خبأه القدر لكل منهم، لذلك نذرت جزءا من وقتي لمساعدتهم ورفع معنوياتهم".

-66-

كان الأولاد ينتظرونها بفارغ الصبر شوقا إليها وتلهفا إلى سماع حلقة جديدة من حكاية الخالة صابرة. أروها رسوم سامر لشخصيات الحكاية فقبلته وشجعته ثم بدأت تروي حلقة جديدة من حكايتها:

"حك قافز المكار رأسه وهو يمشي جيئة وذهابا ثم قال لسيده عرمط: "وجدتها؟"

سأله عرمط: "ماذا وجدت؟"

قال قافز بلهجة المنتصر: "وجدت الطريقة التي نأخذ بها دار صابرة وأرضها مجانا ودون أن ندفع دينارا واحدا".

سأل عرمط بلهفة: "كيف ذلك؟ أخبرني بسرعة".

قال قافز: "دار صابرة هي أعلى دار في الجزيرة ويبلغ ارتفاعها مائة متر. يمكن أن تصدر قانونا ياسيدي بأن يدفع صاحب كل دار يبلغ ارتفاعها مائة متر عن سطح البحر ضريبة سنوية قدرها عشرون ألف دينار. ويجب أن تحسب هذه الضريبة من الوقت الذي بنيت فيه هذه الدار".

فكر عرمط برهة، وسأل قافز: "ماذا نسمي هذه الضريبة؟"

أجاب قافز: "نسميها ضريبة الارتفاع".

لم تعجب عرمط هذه الفكرة، فقال: "لم أسمع بهذه الضريبة قبل الآن".

قال ملهوف الأكال: "أنت الذي تضع القوانين التي تناسبك ياسيدي، وتفرض ما تشاء من الضرائب".

تردد عرمط وعلق قائلا: "لكن الناس لن يستطيعوا دفع هذه الضريبة الثقيلة".

شجعه قافز بقوله: "ليس هناك دار يبلغ ارتفاعها مائة متر غير دار صابرة. هي وحدها التي يجب أن تدفع ".

أكمل ملهوف الأكال كلام عرمط: " وما دامت لا تستطيع أن تدفع سنصادر دارها وأرضها لدفع الضريبة".

قال قافز: " وستأخذها أنت ياسيدي مجانا".

أصدر عرمط قانون ضريبة الارتفاع وأرسله إلى مسؤول الضرائب "مخلص القانوني" للتنفيذ. كان "مخلص" رجلا لا يعرف في حياته إلا تطبيق القانون تطبيقا أعمى. لا يهمه إن كان القانون ظالما أو عادلا، خيّراً أو شرّيراً يتماشى مع حقوق الإنسان أو يعتدي عليها. المهم أن ينفذ القانون دون تفكير أو نقاش. حمل جهاز قياس الارتفاع وبدأ يدخل منازل الجزيرة من الأسفل إلى الأعلى ويقيس ارتفاعها حتى بلغ في نهاية الأسبوع منزل الخالة صابرة.

كان سكان الجزيرة يعرفون أن منزل الخالة صابرة هو الوحيد الذي يبلغ ارتفاعه مائة متر. تجمعوا كلهم أمام المنزل وحاولوا أن يساعدوها قدر استطاعتهم. لكن المبلغ المطلوب كان كبيرا جدا لأن المنزل مبني منذ ستين سنة ويجب دفع الضريبة عن هذه المدة كلها. كان قافز المكار وملهوف الأكال يراقبان ما يحدث.

قال مخلص القانوني للعجوز: "سأقيس ارتفاع منزلك فإن بلغ مائة متر ستدفعين مليونا ومائتي ألف دينار مقدار الضريبة لستين عاما. وإذا لم تدفعي سوف أصادر المنزل وأسلمه لرئيس البلدية السيد ملهوف الأكال".

احتج سكان الجزيرة وأخذوا يصرخون: "هذا ليس عدلا. هذا ظلم".

أراد ملهوف الأكال تخويفهم ليسكتوا فصاح: "سنضع في السجن كل من يقف في وجه القانون". لكن الناس ظلوا يصرخون: "هذا ليس عدلا. هذا ظلم".

قال قافز المكار: "لماذا تعترضون على هذا القانون وفيه مصلحة عامة لكل الناس".

سأل الأستاذ عارف: "ما مصلحة الناس في هذا القانون الظالم؟"

أجاب قافز المكار: "المصلحة العامة تقضي بأن لا يسمح بالعلو والارتفاع إلا للقادرين على دفع الثمن. ولو سمح لكل الناس بالعلو والارتفاع من دون ثمن لرغبوا كلهم في العلو وما عاش أحد في المنخفض".

لم يقتنع أحد بما قاله قافز وظلوا يصرخون: "هذا ليس عدلا. هذا ظلم".

رفعت العجوز يديها إلى السماء داعية: "يارب أنت السند وأنت المغيث". سمع الناس صوتا مرعبا مخيفا كصوت الرعد. اهتزت الأرض تحتهم لمدة ثانية. كاد الناس يسقط بعضهم فوق بعض ثم استقرت الأرض.

أخرج مخلص جهازه من العلبة وقاس ارتفاع المنزل فإذا به ينقص سنتيمترين عن المائة متر. قال: "لقد نزلت الصخرة التي تحمل هذا المنزل سنتيمترين عن المائة متر".

قال له ملهوف: "هذا لا يهمنا. نفذ الأوامر وصادر هذا المنزل".

أجاب مخلص: "لا أستطيع ياسيدي فهذا مخالف للقانون".

فقد  قافز المكار أعصابه وسأله بغضب: "كيف لا تستطيع؟"

أجاب مخلص بهدوء: " القانون واضح ياسيدي ويطبق على كل منزل بلغ ارتفاعه مائة متر أو أكثر. أصبح ارتفاع هذا المنزل أقل من مائة متر".

سأله ملهوف الأكال باستنكار: "ماذا قلت؟ هل تعني أن سنتيمترين صغيرين يمنعانك من مصادرة هذا المنزل؟"

أجاب مخلص ببرود : "نعم ياسيدي فالقانون هو القانون".

سجدت صابرة شكرا لله ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت: "أشكرك يا رب".

هتف سكان الجزيرة: "إنها معجزة، معجزة إلهية".

انصرف قافز المكار وملهوف الأكال بعد فشلهما غاضبين. استقبلهما عرمط بشوق سائلا: "هل صادرتم دار صابرة؟"

أجاب قافز: "لا ياسيدي. حدث ما لم يكن في الحسبان". وحدثاه بما وقع.

بدأ عرمط يضرب الأرض بقدميه كالطفل الصغير ويصرخ: "أريد القصر. أريد القصر".

قال له قافز: "لا تنزعج يا سيدي وأمهلني إلى الغد لأفكر في طريقة تحصل بها على القصر".

-67-

وقفت السيارة التي تحضر وجبة الجمعة ونزل منها عاملان يحملان العلب البلاستيكية التي تحوي الوجبة الفاخرة. سأل فاتح : "بالمناسبة ، من يقدم  هذه الوجبة الفاخرة كل جمعة؟ كنت الأسبوع الماضي هنا واندهشت لأن مثل هذه الوجبة عادة تقدم لرجال الأعمال في الفنادق الفخمة الكبيرة".

ضحكت سوسن و أجابت: "إنه السيد مصباح"

-                         مصباح قلب الحديد!

-                         طبعا.

-                         عجبا! أهو الذي يقدم هذه الوجبة ؟

-                         طبعا. ولم العجب؟ إنه لا يقدم هذه الوجبة فحسب ولكنه يساهم في ميزانية الدار، ولعلمك لولا أنه انتشلني من الوضع الذي كنت فيه لكنت الآن خادمة في أحد البيوت.

-                         كيف ذلك ؟

-                         لهذا قصة طويلة ليس مجال ذكرها الآن إنما أردت أن أبين لك مناقب هذا الرجل الخير.

-                         أريد أن أسمع هذه القصة بتفاصيلها إن لم يكن لديك مانع ولكن ليس هنا بالطبع. ما رأيك أن نذهب إلى شاطئ زرالدة؟

-                         الشاطئ مزدحم اليوم.

-                         غدا صباحا سأنتظرك في الساعة الثامنة والنصف قرب مدخل العمارة. سنذهب بسيارتي، أقصد بسيارة الجريدة.

-                         لا لزوم لسيارة الجريدة، سنذهب بسيارتي. انتظرني في ساحة حيدرة حيث تركتك في المرة السابقة. سأكون في الثامنة والنصف تماما أيناسبك ذلك؟

-                         يناسبني تماما.

-68-

قضى فاتح وسوسن طيلة يوم الأربعاء معا. كان الطقس بديعا فالشمس دافئة والنسيم عليل. ذهبا إلى سيدي فرج وتمشيا على الشاطئ ثم استأجرا قاربا تجول بهما في عمق البحر، كانا يبدوان كعاشقين مغرم كل منهما بالآخر. تغديا في المطعم قرب الشاطئ. سألته: "هل أعجبتك الخاتمة التي اقترحتها؟"

أجابها بلباقة: "أنت تحبين النهايات السعيدة لأنك تكتبين للأطفال، لكن الكتابة للبالغين تختلف إذ تتغلب فيها المآسي على الملاهي".

ردت سوسن بحماس متقد: "ليس الاختلاف بيننا على النهايات السعيدة بل على الصراع بين الخير والشر وانتصار أحدهما على الآخر في النهاية. حكايات ألف ليلة وليلة المستوحاة من التراث العربي الإسلامي وكذلك الإلياذة والأوديسة والمسرحيات الإغريقية المستوحاة من الميثولوجيا اليونانية ومسرحيات شكسبير وموليير ومالرو وغوتة كلها تنتهي بانتصار الخير على الشر حتى وإن كانت النهاية مأساوية".

رد فاتح: "أنا نقلت الواقع كما هو دون تجميل".

أجابت سوسن: " نقل الواقع كما هو مهمة الصحفي، أما الكاتب فيصور العالم كما هو وكما يحبه أن يكون فيعيد تشكيله وفق رؤيته وقيمه. وعلى كل حال اعذرني على تطفلي. لقد أبديت رأيي كقارئة، ولكن الرواية روايتك وأنت حر في اختيار النهاية التي تريد لشخصياتها".

ابتسم فاتح ولم يعلق. لم تقنعه حجة سوسن، وازداد تأكدا من أن النهاية التي وضعها هي الأنسب لروايته.

 توجها بعد ذلك إلى شاطئ زرالدة، ونزلا إلى البحر وتسابقا في العوم. كانا يقطفان سويعات لا تنسى من بهجة الحياة. يضحكان ويمرحان ويركضان على الشاطئ الذي لم يكن غاصا كعادته بالمصطافين. روت سوسن له حكايتها بالتفصيل كما سمعتها من ماما زهرا وبابا عزوز، كيف حملتها القابلة إلى الملجأ وكيف ماتت أمها في مستشفى مصطفى وتبنتها الحاجة حبيبة وزوجها الحاج شريف، ثم تحدثت عن انتقالها إلى دار محجوب أخي حبيبة ومعاملة زوجته علجية لها كخادمة، وأخيرا عناية مصباح بها حين بلغت العاشرة وكيف خلصها من جحيم علجية، ثم سكنها مع بابا عزوز وماما زهرا وتدليلهما لها مع ما وفره السيد مصباح لهما ولها من حياة رغيدة. كان يستمع إليها باهتمام ويسألها عن أدق التفاصيل، وخاصة فيما يتعلق بمصباح وكل ما قدمه لها.

-69-

نشأ فاتح منذ سنواته الأولى على كره مصباح وزوجته ليلى، فهما السبب في سجن خاله وطرده من الوظيفة وتشريده وهدم مستقبله. لم ير خاله حتى الآن فهو يعيش في تونس لكنه كان يتواصل معه بالهاتف. أما أمه فزارته هناك عدة مرات وحاولت أن تأتي به إلى الجزائر لكنه رفض رفضا باتا.

الكره مثل الحب يعمي ويصم، لذلك أصبح هم فاتح الوحيد الانتقام من مصباح وأسرته وهو الآن يرى سوسن مجرد أداة يستغلها لتنفيذ ما عقد العزم عليه. أما سوسن فقد أحبته منذ لمست شهامته في هذا الشاطئ لذلك كانت تحدثه ببراءة وعفوية. لم يغازلها ولم يمثل عليها دور المحب ولم تكن تنتظر منه ذلك. كان كل همها أن تكون بجانبه يستمع إليها باهتمام كما فعل، أما الباقي فمتروك للأيام.

حدثته عن زهير الصواف الذي صدمها وتخلى عنها حين علم أنها مجهولة النسب. قالت له: "لذلك لن أتزوج إلا بشاب مجهول النسب".

أجابها باسما: "إذا كنت مصرة على الزواج بشاب مجهول النسب فسأزوجك أخي".

-                       أخوك!

-                       نعم، أخي حسام، فقد وجدته أمي وجدّي متروكا في إحدى حافلات نقل المسافرين، وكان حديث الولادة فأخذته إلى الملجأ ثم ضمته إلى العائلة.

-                       أحقا ما تقول؟

-                       طبعا ولكن أخي صغير عليك من مواليد 95. هو عند جدتي في قسنطينة. لا تريده أن يأتي إلى العاصمة قبل أن يتم دراسته الجامعية. هي متعلقة جدا به وأحس أحيانا أنها تحبه أكثر مني.

-                       هل تغار منه؟

-                       كيف أغار منه وأنا ربيته مع أمي. أشعر أحيانا أنه ابني مثلما هو ابنها.

فتح لها هذا الحوار باب الأمل فهذه الأم التي ربت طفلا يتيما مجهول النسب، يمكن أن تقبلها بسهولة زوجة لابنها.

عادا من شاطئ زرالدة وهما في منتهى السعادة رغم اختلاف الأسباب. هي قضت يوما من أحلى أيام العمر مع من تحب، وهو استطاع أن يحصل على معلومات هامة منها سوف يفجر فيها فضيحة الموسم ويوجه لمصباح ضربة قاضية ربما تجعل زوجته ليلى تطلب الطلاق منه بعد أن تعرف أن له ابنة غير شرعية من عشيقة اسمها سميحة أو صبيحة. وهو ينفق عليها منذ سنوات. لم يبق عليه سوى معرفة عنوان محجوب والاتصال به ليكتمل الملف.

 -70-

أخبر خلدون مصباح أن الصحفي فاتح الطيب على علاقة بسوسن وهما يتقابلان في المركز وخارج المركز، وعلق بقوله: "لا شك أنها تتآمر معه ضدك يا سيدي. اتق شر من أحسنت إليه".

لم يجب مصباح فأضاف خلدون: "هل أستدعيها وأحقق معها ياسيدي؟"

أجاب مصباح بحزم: "لا داعي لذلك. سأكلم عزوز ليتصرف".

انزعج خلدون لأنه يريد أن تكون له سلطة على عزوز وسوسن ولكنه قال: "كما تريد ياسيدي".

عزا خلدون موقف مصباح إلى انشغاله بأمور المؤسسة وقرر التدخل دون علم مصباح فاتصل بعزوز وكلمه بلهجة لوم وتوبيخ بعد أن أخبره عن علاقة سوسن بفاتح: "هل هذا جزاء الإحسان؟ إن لم تتوقف سوسن عن مقابلة هذا اللعين سأضطر إلى التدخل وأوقفها عند حدها".

أجابه عزوز غاضبا ومحذرا: "إياك أن تتعرض لها فيلقنك السيد مصباح درسا لا تنساه".

غير خلدون لهجته وقال بلطف: "ليست لي مصلحة شخصية. أنا أتكلم باسم السيد مصباح ولمصلحته طبعا".

أجابه عزوز بحزم: "لا يمكن أن يكلفك السيد مصباح بإيذاء سوسن. أنت لا تعرف منزلتها عنده. إن مسستها بسوء تفتح عليك أبواب جهنم. أنا أحذرك وقد أعذر من أنذر".

فكر خلدون كثيرا في هذا الكلام، وتساءل: "هل يمكن أن تكون سوسن ابنة مصباح وتصدق الإشاعة التي كان يعتقد أنها محض افتراء؟"

لا تبدو على مصباح أية عاطفة من عواطف الأبوة نحو هذه الفتاة. صحيح أنه ينفق عليها وعلى دراستها واشترى لها شقة وسيارة وخصص لها راتبا كبيرا، ولكنه ظن أن ذلك كله إرضاء لعزوز الذي يربيها ويرعاها ونوع من الدعاية بأنه يرعى اليتامى. هو يعرف السيد مصباح جيدا أو هكذا خيل له، لكنه الآن حائر لا يدري ما يفعل.

-71-

قالت السيدة هدى الطيب تخاطب فاتح وهي تجلس وراء مكتبها: "هل تابعت قضية المحامي بدر الدين عبد السلام؟"

-                         نعم يا أمي، لكن الأدلة كلها ضده. ضبطوا الأسلحة في سيارته، وأكد الشاهدان أنه اتفق معهما على بيع الأسلحة.

علقت هدى بلهجة الواثق: "الأدلة مفبركة يابني".

رد فاتح معترضا: "لكن رسالة الهاتف المحمول بموعد تسليم السلاح مرسلة من هاتفه الشخصي، ووجد اسم المرسل إليه مسجلا في ذاكرة الهاتف. إنها أدلة دامغة. أعتقد أنه مذنب وأنه يخدعنا".

لم تقتنع هدى وقالت: "لا يابني، فعبد السلام ليس من هذا النوع".

رد فاتح سائلا: "وما أدراك يا أمي؟". ثم أردف: "كثيرا ما يصدمنا الأشخاص الذين نثق بهم ثقة تامة. أليس كذلك؟"

أجابت هدى وهي تستحضر في ذهنها ليلى عمران التي كانت تثق بها هي وأخوها صلاح الدين ثقة عمياء فخانت ثقتهما: "بلى. معك حق يابني كثيرا ما يخدعنا من وثقنا بهم".

استنتج فاتح أنها اقتنعت، فأضاف: "إذا علينا ألا نثق بأحد".

ردت هدى معترضة: "لا يابني. الثقة أساس في التعامل بين الناس وإذا انعدمت الثقة أصبحت الحياة بلا طعم. الثقة ضرورية بشرط ألا تكون مطلقة وعمياء، بل ثقة مؤسسة ومتجددة. كيف نتعامل مع طبيب لا نثق به أو خباز أو جزار ناهيك عن الأصدقاء والجيران وزملاء العمل؟ كثيرا ما يخدعنا من نثق بهم ولكن ليس دائما. عبد السلام ليس منهم. أنا متأكدة من ذلك وأعرف من وراء هذه القضية".

-                         هل تقصدين مصباح قلب الحديد؟

-                         نعم.

- هو يستهين إذاً بالدولة والصحافة والقانون والقضاء ولا يخاف أحدا.

-                         بالعكس هو لا يستهين بأحد، ويحسب حسابا لكل شيء، ولكنه ليس ساذجا لينظر إلى الدولة والصحافة والقضاء على أن كلا منها كتلة متجانسة وسلطة واحدة. إنه ينظر إليها على أنها مجموعة من الأفراد تختلف في المبادئ والذمم. فكما أن هناك الموظف النزيه في الدولة، هناك الطماع والمرتشي. وكما أن بعض الصحافيين يدافعون عن الحق ويبحثون عن الحقيقة فهناك من هم على استعداد لحماية الباطل وإخفاء الحقيقة بالثمن المناسب. وكما أن هناك قضاة لا يبيعون ذممهم بمال قارون فهناك آخرون مستعدون لبيعها بما تيسر. مصباح لم يدرس في جامعة ولكنه يعرف النفس البشرية ونقاط ضعفها وقوتها. أما القانون فيعرف ثغراته ويعرف كيف ينفذ منها ولديه من المحامين من يضمن له ذلك.

-                         ليس هناك أمل إذا في رأيك.

-                         بالعكس، لابد أن ينتصر الحق على الباطل إن أصر صاحبه على طلبه ولم يستسلم. هو يتعامل مع هذه السلطات كأفراد فلنتعامل معها نحن كأفراد. وكما أن الموظف المرتشي مرتبط بشبكة من المنحرفين الفاسدين أمثاله فيمكن للموظف النزيه الاعتماد على مجموعة من النزيهين مثله يكونون شبكة تقف في وجه الانحراف.

-72-

لم يكن تكوين السيدة هدى جمعية مكافحة الإرهاب وجمعية إغاثة الأمهات العزباوات وتأسيسها جريدة العدالة وليد الصدفة بل كان نتيجة لكونها إحدى ضحايا الإرهاب والظلم. كانت في طريقها إلى منزل والديها في سطيف مع زوجها أحمد في سيارة أجرة لكن الإرهابيين هاجموهما في الطريق، فقتلوا أحمد وكل من كان في السيارة من الرجال، واختطفوا هدى واقتادوها إلى إحدى المغارات.

كانوا خمسة مراهقين أكبرهم على ما تظن في الثامنة عشرة وسادسهم كبيرهم وأميرهم خريج فظائع الأفغان. قال لهم على مسمع منها، بعد أن اختطفوها وساقوها إليه: "إنها لكم سبية حلالا فتمتعوا بها".

كان ذلك خلافا لكل عرف ودين، لكن أميرهم هو مفتيهم ومشرعهم وما يحله فهو حلال وما يحرمه فهو حرام. لم يتعودوا أن يستخدموا عقولهم إلا في تنفيذ الأوامر، لا في مناقشة صحتها أو خطئها. تناوبوا عليها واحدا واحدا ولم يشفع لها أن روحها وجسدها رفضاهم فلم يبالوا بقيئها الشديد ولم ينفرهم منها إفرازها وإفراغها السبيلين في الوقت نفسه. كانت تنزف قيئا وبولا وغائطا ولم يثنهم ذلك عن اغتصابها بوحشية وتركوها بلا حراك أشبه بالجثة الهامدة. ولم تعد إلى وعيها إلا في المستشفى صبيحة اليوم التالي حيث عرفت أن رجال الجيش اقتحموا المغارة في الليل بعد معركة عنيفة رفض الإرهابيون فيها الاستسلام وقتلوا جميعا.

بدأت منذ ذلك الوقت تبحث عن السبب الذي يجعل شبابا في عمر الورد يتحولون إلى سفاحين وقتلة. كانوا يبحثون عن النقاء والمجتمع الفاضل فخاضوا في مستنقعات القذارة وارتكبوا أفظع الجرائم والرذائل. لم تعرف أسماءهم ولا مستواهم التعليمي ولكن من المؤكد أن لهم أسرا وأمهات وآباء وإخوة وأخوات نكبوا بانحرافهم وإجرامهم ثم مقتلهم. هي ليلة واحدة قضتها في جحيم المغارة ولكنها كانت كافية لتقلب حياتها رأسا على عقب. تخرجت من معهد التاريخ في جامعة الجزائر وكانت تطمح إلى أن تكون أستاذة في المدارس الثانوية تعلم التلاميذ تاريخ بلادهم. لكن نظرتها إلى التاريخ تغيرت الآن.

-73-

اكتشفت أن المدرسة لا تدرس تاريخ الحضارة الإسلامية، فهؤلاء الشباب لا يعرفون عن الإسلام إلا ما يقوله لهم هؤلاء الجهلة الحمقى من المدعين. لا يعرفون علماءه ومفكريه وما قدموه للحضارة الإنسانية. بل إن التفكير حرام في زعمهم لأنه يقود إلى الضلال والكفر.

غيرت منهجها في تعليم التاريخ فلم تعد تنظر إليه على أنه أحداث بل على أنه حضارة، فتركز على الفكر الإسلامي الذي ساهم في تقدم العلوم والفنون أكثر من تركيزها على السياسة والحكام، ولا تقدم الإسلام على أنه غزوات وفتوحات وجهاد فحسب بل تبرز الجانب المعرفي فيه، وتعرف التلاميذ بجابر بن حيان والبيروني والرازي وابن سينا وابن خلدون وابن رشد وابن طفيل. وتطبيقا لهذا المنهج خصصت زاوية في صفحة العلم والعلماء في جريدة العدالة للتعريف بالعلماء المسلمين وإنجازاتهم العلمية والطبية في خدمة الإنسانية، كما خصصت زاوية في نفس الصفحة للتعريف بالاختراعات والاكتشافات العلمية الحديثة والتعريف بأصحابها ليكون أولئك وهؤلاء قدوة صالحة للأجيال الجديدة في العمل البناء بدلا من حمل السلاح للتخريب وقتل الأبرياء فالسلاح لا يجب أن يرفع إلا في وجه المحتلين والغاصبين. 

كتبت كتابا عنونته: "ظاهرة الإرهاب ومسؤولية المجتمع" أبرزت فيه دور المدرسة وتقصيرها في التكوين. وأوضحت في المقدمة أن نقدها ليس هجوما على جهاز التربية أو اتهام الأساتذة بل هو تحليل أخطاء الماضي لتفاديها في المستقبل. ومما قالته: "وما لم نعترف بأخطائنا ونضعها تحت المجهر فليس بإمكاننا إصلاحها". وذكرت كمثال عن ذلك إغفال سير العلماء والمخترعين موضحة أن كثيرا من أبنائنا يظنون أن حمل السلاح هو الوسيلة الوحيدة للدفاع عن العقيدة وقدوتهم في ذلك صحابة الرسول ( ص) والمجاهدون والشهداء. لأن المدرسة لم تعودهم أن يقتدوا إلى جانب ذلك بالعلماء والمفكرين والفلاسفة الذين بنوا الحضارة. تحدثهم عن الذين هدموا الباطل ليمهدوا الطريق للبناء وتغفل أحيانا ذكر من ساهموا في البناء الفكري والعلمي.

وختمت المقدمة بقولها: "ما لم نعلم أبناءنا أن حمل السلاح ليس هو الوسيلة الوحيدة للدفاع عن العقيدة كما أنه ليس الوسيلة المثلى لبناء مجتمع متحضر فلن نفلح في تحصينهم ضد التطرف والعنف".

ودرست في هذا الكتاب جذور التطرف وأسبابه التاريخية والحالية السياسية والاجتماعية. ثم انتقلت إلى طرق مكافحته ووقاية أبنائنا منه بواسطة التوعية وخلق مناصب الشغل وزرع ثقافة التعدد والحوار وقبول الآخر بدلا من الفكر الأحادي. ولقناعتها بأن البحث النظري لا يكفي ولا بد من اتخاذ إجراءات عملية، أسست جمعية مكافحة الإرهاب وانضم إلى عضويتها أفراد يمثلون معظم شرائح المجتمع. نشاط الجمعية ما زال في أوله لكنه يتوسع باستمرار. 

-74-

قال خلدون لمصباح وهو يناوله نسخة من جريدة العدالة: "انظر ياسيدي ما كتبه فاتح الطيب تحت عنوان: "آخر ضحايا الأخطبوط".

تناول مصباح الجريدة وقرأ: "استطاع الملياردير م .ق.ح تلفيق تهمة متاجرة بالسلاح للمحامي ع.ك المعروف بنزاهته، وذلك لأنه تجرأ ودافع عن موكله م.ش سائق الشاحنة التي كانت تحمل سلعا لمؤسسة الملياردير. ومن المعلوم أن رجال الدرك وجدوا كمية هامة من المخدرات مخبأة فيها دون علم السائق".

سأل مصباح: " من ع.ك هذا؟ ومن سائق الشاحنة؟

أجاب خلدون: " سائق الشاحنة هو مولود شاكر وكان ينقل لنا أجهزة إليكترونية من بلعباس. فتش الدرك شاحنته في وهران فوجدوا كمية معتبرة من المخدرات. أما المحامي فلا أعرفه".

قال مصباح: "اجمع لي معلومات كافية عن الموضوع".

سأل خلدون: "وماذا عن الجريدة؟ هل نتركها تستمر في الهجوم علينا؟"

أجاب مصباح: " إن ما تقوله تلميح وليس تصريحا".

علق خلدون: "تلميح أخطر من التصريح، ويمكن أن نقاضيهم بشأنه".

ابتسم مصباح في وجه خلدون هامسا: "اجمع المعلومات في البداية وسنرى".

-75-

تزامن دخول القاضية أنيسة إلى محكمة سيدي محمد مع دخول الشاهدين في قضية المحامي بدر الدين عبد السلام، فتجاوزاها ومعهما رجل ضخم يناديانه "سيدي الكوميسير". حاولت أنيسة عبثا أن تتذكر أين رأت هذا الرجل. كان الرجال الثلاثة مشغولين بالحديث فلم يروها. اعترض طريقهم رجل بدين قصير يمسح جبينه ووجهه بمنديله، وقال مستعطفا الرجل الضخم: "لماذا ياسيدي الكوميسير؟ ماذا فعلت لك لترفع علي دعوى. عرفته أنيسة على الفور فهو السائق الذي أوصلها من محطة الآغا إلى حي الشراقة الجديدة. تلكأت القاضية قليلا بعد أن تذكرت الرجل الضخم. إنه الرجل الذي اعترض السيارة وهدد السائق، وها هو ينفذ تهديده. لم يجبه الرجل الضخم بل خاطب مرافقيه الاثنين مشيرا إليه: "ها هو الحقير الذي فضل أن يوصل الساقطة بدلا مني. سوف يرى ما أفعل به".

صرخ السائق: "لكنني بريء، لم أؤذك بشيء".

رد الرجل الضخم: "وتنكر أيضا ما فعلت أمام هذين الشاهدين. من حسن الحظ أنهما كانا معي يوم الحادثة"، والتفت إلى الشاهدين سائلا: "أليس كذلك؟".

أجاب الشاهدان بصوت واحد: "نعم يا سيدي".

احتج السائق بصوت متهدج مرتجف: "لكنني لم أرهما من قبل. كنت وحدك ياسيدي الكوميسير".

علق الرجل الضخم: "قل هذا للقاضي إن كان يصدقك".

قالت أنيسة في نفسها: "هذا هو الوجه الآخر للمجتمع والناس في رمضان. هو شهر التسامح والغفران وصلة الرحم ونكران الذات وتذكر الفقراء. لكن نظرة واحدة إلى ما يجري في المحاكم تكفي لأن نكتشف أن بعض الناس حولوه إلى شهر العداوة والخصام والظلم وشهادة الزور".

-76-

دخلت القاضية إلى مكتبها، وفتحت ملف المحامي بدر الدين عبد السلام، وبحثت عن اسم الكوميسير الذي أورده الشاهدان، وسجلت اسمه ثم اتصلت بمصلحة التسجيل وسألت عن قضية يكون فيها المدعي "محمود الرواس". كان الجواب بالإيجاب وأعطتها مصلحة التسجيل رقم القضية.

اتصلت القاضية بوكيل الجمهورية وطلبت مقابلته لأمر عاجل، وأعلمته بما حدث، وبشكوكها في شهادة الشاهدين في قضية المحامي بدر الدين. أوعز وكيل الجمهورية إلى القاضي المكلف بقضية محمود الرواس بأن يؤجل القضية أسبوعا لاستكمال التحقيق في قضية المحامي بدر الدين. فوجئ محمود الرواس ومحاميه بتأجيل القضية، ولم يستطع أحدهما معرفة السبب.

-77-

 بدأت القاضية تنظر من جديد إلى قضية المحامي بدر الدين بعد أن شككت في أقوال الشاهدين واكتشفت كذبهما على السائق. استدعت كاتب المحامي وأعلمته أن شهادته مهمة جدا في القضية وطلبت منه أن يتوخى الصراحة والصدق فأقسم أنه سيفعل لأن للمحامي أفضالا كثيرة عليه.

سألته: "لماذا تغيبت عن العمل في ذلك اليوم بالذات؟"

أجاب بعد تردد: "اعترض طريقي عند خروجي من منزلي لأركب الحافلة شخصان في ثياب مدنية، وادعيا أنهما من رجال الأمن، وأنا مطلوب للتحقيق. حاولت معرفة سبب التحقيق، فقيل لي: "ستعرف ذلك بعد قليل". أخذتني السيارة في اتجاه بوزريعة، أشغلاني بالحديث والأسئلة عن عملي وعن المحامي وماذا أعرف عنه حتى وصلنا إلى فيلا في أحد الشوارع الفرعية. أخذا مني الهاتف المحمول ثم أدخلاني إلى إحدى الغرف وتركاني هناك حتى منتصف النهار. عاد أحدهما يحمل سندويتشاً بلحم الدجاج. تناولته منه، وقال لي: "سيادة العقيد مشغول بالتحقيق في قضية هامة وسيستقبلك حين يأتي دورك"، وتركني وخرج. لم أكن جائعا بل كنت قلقا ومشغول البال أتساءل: "لماذا أتوا بي إلى هنا؟ ماذا فعلت؟ ما القضية التي يحقق فيها العقيد؟ وما دخلي أنا فيها؟ من أعطاهم اسمي وورطني في هذه القضية؟ هل هو أحد الجيران الذي تخاصمت معه قبل أسبوع؟ أم أحد الزبائن الذي هددني بإقفال المكتب بعد أن رفض المحامي قضية ابنه لأنها قضية مخدرات؟". أحسست بعد ساعة بالجوع فأكلت وفكرت في أمي وإخوتي ومصيرهم إذا قبض علي.

في الساعة الرابعة جاء أحدهما وقال لي: "من حسن حظك أن ملفك نظيف ولا دخل لك في السياسة. وقد شهدت أنا وزميلي بأنك إنسان مستقيم لا تؤذي أحدا، ولهذا قرر سيادة العقيد أن يعفيك من التحقيق. احذر في المرة القادمة أن تشارك في نقاش مع من لا تعرفهم وتشتم المسؤولين فتتهم بالقذف".

أعادا لي الهاتف وأركباني في السيارة وأوصلاني إلى الدار، وقال لي أحدهما قبل أن أنزل: " من الأفضل ألا تخبر أحدا بما حدث لك، و إذا سألك المحامي عن سبب غيابك، قل له إنك كنت مريضا".

سألته القاضية إن كان يعرف عنوان الفيلا، ونوع السيارة التي ركب فيها، فأجاب بالنفي. طلبت منه أوصاف الرجلين فسجل أوصافهما ولم تنطبق هذه الأوصاف على الشاهدين مما يبين أن هناك أشخاصا آخرين متورطين مع الرجل الضخم والشاهدين في هذه القضية.

-78-

كان بوجمعة حارس السيارات هو الشاهد الوحيد الذي أكد أنه لم ير أحدا يقترب من سيارة المتهم في الليلة السابقة لتفتيشها فاستدعته للتحقيق. سألته: "كم عدد السيارات التي تحرسها ؟"

-                         مائة سيارة تقريبا.

-                         وهل تحرسها وحدك ؟

تردد قليلا ثم أجاب : " هناك شاب يساعدني في الحراسة اسمه نذير. "

-                         هل تتقاسمان المناوبة أم الحراسة ؟

-                         لم أفهم يا سيدتي.

-                         أقصد هل أنت تحرس جزءا من الليل وهو يحرس الجزء الآخر أم أنت تحرس بعض السيارات وهو يحرس بعضها الآخر .

-                         نعم يا سيدتي أنا أحرس منطقة وهو يحرس منطقة.

-                         وأين كانت سيارة بدر الدين عبد السلام تلك الليلة، في منطقة حراستك ام منطقة حراسته؟

تردد قليلا ثم قال:  لا أتذكر.

قالت بحزم: بل عليك أن تتذكر. قلت في إفادتك بأنك كنت تحرس قرب السيارة تقريبا طوال الليل فهل هذا صحيح ؟

-                         نعم تذكرت، قلت هذا .

-                         هل أنت متأكد بأن السيارة كانت في منطقتك تلك الليلة؟

-                         حتى وإن كانت في منطقة نذير فأنا أتجول في المنطقتين وأراقب وأحرس طوال الليل فأنا المسؤول أمام أصحاب السيارات وليس نذير.

التفت إلى كاتبة الضبط قائلة: " يُستدعى نذير "  وسألت بوجمعة:

" ما اسمه الكامل ؟ "

-                         نذير بوعلام.

-                         إذن يُستدعى نذير بوعلام لسماع أقواله .

والتفتت إلى بوجمعة قائلة : "سنستدعيك عندما نحتاج إليك".

-79-

سألت القاضية نذير بوعلام بعد استدعائه إن كان يعرف المتهم فأجاب بالإيجاب وصرح بأن سيارته في المنطقة التي يحرسها هو، ولكن بوجمعة أعطاه إجازة تلك الليلة وقال له : "لا ضرورة لوجودك، اذهب واسترح الليلة لأني ربما أتغيب غدا وتحل محلي"، ولكنه لم يتغيب كما قال. استنتجت القاضية أن شهادة بوجمعة مشكوك فيها.

-80-

عاد الحارس بوجمعة قبل أن تستدعيه القاضية ليغير إفادته قائلا بأنه لم يستطع أن ينام الليل بعد إدلائه بشهادة كاذبة. ادعى هذه المرة بأنه غاب مدة ساعة عن الحراسة وربما يكون أحدهم قد دس خلال هذه الساعة الأسلحة في سيارة المحامي. وحين سألته القاضية: "أين كنت خلال هذه الساعة"؟ تلعثم وحاول تلفيق حكاية زعم فيها أنه أحس بصداع عنيف فبحث عن صيدلية ليلية حتى وجد واحدة اشترى منها الدواء.

-                       أين هذه الصيدلية؟

-                       في الأبيار؟

-                       ما اسمها؟

-                       لا أدري؟

-                       أين تقع بالضبط. قم معنا لترشدنا إليها ونتأكد بأنها كانت تعمل في ليلة الحادثة.

لم يستطع بوجمعة أن يستمر في الكذب، فاعترف بأن سيارة جاءت في الواحدة ليلة الحادثة نزل منها شخصان عرضا عليه أن يعطياه مبلغ خمسة ملايين سنتيم لقاء أن يسمح لهما بوضع طرد يحتوي على بضاعة مهربة في سيارة بدر الدين عبد السلام. وعداه أن يعطياه مليونين في الحال وثلاثة ملايين حين يشهد إذا استدعاه البوليس بأن أحدا لم يقترب من السيارة ليلة الحادثة. وحين اعترض لأن المحامي إنسان طيب ولا يقبل أن يدخل السجن بتهمة باطلة، ضحك أحدهما وقال له: "فكر في نفسك، لا تخف على عبد السلام فهو محام يعرف كيف يخرج منها كما تخرج الشعرة من العجين. نحن المساكين الذين لا يفكر أحد بنا. معلمنا يريد أن يلقنه درسا ونحن نربح في ذلك بعض المال وأنت أيضا. ولا نريد أن نقول له بأن بوجمعة رفض فيضعك في باله ولا تدري متى يكون انتقامه وكيف".

 زين لي الشيطان أن أقبل مع أن عبد السلام كان دائما كريما معي يعطيني بمناسبة ومن دون مناسبة، ولا أكتمك أني أيضا خفت منهما ومن إيذائهما لي إذا رفضت. من يدري؟ ربما يقرران قتلي ويضعان ما يريدان في السيارة. وافقت واستلمت المليونين وحين قبض على المحامي بتهمة حيازة أسلحة ومتفجرات شهدت أمامكم بما تعرفون، لكني ندمت الآن وأريد أن أصحح غلطتي.

سألته المحامية إن كان يعرف الرجلين، فأنكر في البداية ثم اعترف بأنه لا يعرف أسماءهما ولكنه يعرف أنهما يعملان مع محمود الرواس الكوميسير السابق، وانطبقت الأوصاف التي أعطاها على الشاهدين سعيد خبري وحميد صماغ.

-81-

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها الصحفية الفرنسية الآنسة سيمون أوليفية الجزائر، فقد اعتادت أن تزورها بانتظام منذ أكثر من ثلاثين عاما كمندوبة لهذه الصحيفة أو تلك. لكنها هذه المرة تزورها وهي تعد كتابا عن "ظاهرة الإرهاب في العالم". ومن الطبيعي أن تلتقي بالسيدة هدى التي تناولت هذه الظاهرة في الجزائر في كتاب نشر بالعربية والفرنسية واطلعت عليه الآنسة سيمون.

قالت وهي تتلذذ بمذاق طبق "الكسكسي" المفضل لديها، في مطعم "دار الضياف" تلبية لدعوة السيدة هدى: "لدي ملاحظتان: الأولى تتعلق بكتابك فقد بررت في تحليلاتك أفعال الإرهابيين الإجرامية حين زعمت أنها جاءت كرد فعل على الظلم الاجتماعي والسياسي، بينما سبب الإرهاب الرئيسي هو التطرف سواء أكان دينيا كإرهاب القاعدة أو عنصريا كإرهاب منظمة "كوكلس كلان" ضد الزنوج أو حزبيا كإرهاب الشيوعيين.

كان ما يقرب بين السيدتين ثقافتهما ومهنتهما واهتمامهما بما يحدث في العالم ومحاولتهما رصد ظاهرة الإرهاب وتحليلها. أما سيمون فتنتمي إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي وأما هدى فصحفية مستقلة.

كانتا شديدتي الاهتمام بأناقتهما ومظهرهما. وهما في سن متقارب، بين أوائل ومنتصف الخمسينات، ومع ذلك ليست هناك شعرة واحدة بيضاء في رأس كل منهما، أو أي تجاعيد في وجه إحداهما، فالأصباغ تخفي الشعر الأبيض والمساحيق تغطي التجاعيد.

لكن الاختلاف بينهما لم يكن في لون البشرة الأبيض والأسمر أو لون الشعر الأشقر والأسود أو العينين الزرقاوين والسوداوين فحسب ولكن في فلسفة كل منهما في الحياة ونظرتها إلى الأمور، ومنها نظرة كل منهما إلى الإرهاب. 

ردت هدى بهدوء:

 "أنا لا أبرر، فأفعال الإرهابيين الشريرة في التفجير والتدمير وقتل الأبرياء غير مبررة شرعا وقانونا وأخلاقا. أنا إذا لا أبرر ولكني أفسر والتفسير أمر ضروري لفهم الظاهرة والتصدي لها، وما لم نزل الأسباب الحقيقية ستبقى الظاهرة قائمة. لاشك أن التطرف هو الذي يشعل شرارة الإرهاب ولكن وقودها الذي يحولها إلى نار محرقة هم الفقراء والمظلومون، وما لم يجد الإرهاب بين هؤلاء جنودا له يجندهم باستمرار ستنطفئ ناره ويخمد أواره. الإحباط يأخذ أشكالا كثيرة فقد يؤدي إلى الانتحار الذي تتزايد نسبته باستمرار أو إلى الهجرة غير الشرعية "الحرقة" بكل ما فيها من مخاطر أو الانتساب إلى الحركات الإرهابية. ثم إنك تتحدثين عن الإرهاب الشيوعي وتنسين الإرهاب الرأسمالي الذي استعمر شعوبا بأكملها وقد ذاق شعبنا مرارة هذا الإرهاب وظل يقاومه حتى حصل على استقلاله".

لم تعلق الآنسة سيمون بل تابعت قائلة: "أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالمقالات التي تكتبينها عن القضية الفلسطينية".

سألتها هدى: "ما الذي لا يعجبك فيها؟"

-                       أعجب من تأييدك الواضح والصريح لمنظمتين إرهابيتين هما حزب الله وحركة حماس كأنك عضو فيهما، وتهاجمين الصهيونية وهي تسعى لإنصاف الشعب اليهودي.

كانت هدى تعرف مسبقا أن مواقف سيمون ليست نابعة من قناعاتها الشخصية، بل إن قناعاتها الشخصية تتكون وفق مواقف حزبها وتتغير بتغيرها. قليلون في هذا العالم، مَنْ تنبع مواقفهم من قناعاتهم الشخصية، سواء أكانوا صحفيين أو غير صحفيين، فالعالم ليس عالم أفراد بل عالم مجموعات يتحكم فيها أصحاب المصالح والمستبدون والطامحون، وتسير وراءهم الشعوب كالقطعان. هل يسأل أي ضابط أو عسكري في الجيش الأمريكي وجيوش الحلف الأطلسي نفسه: "ماذا يفعل في العراق أو في أفغانستان؟ وهل يحارب من أجل قضية عادلة كما يقال له؟". وهل سأل الضباط والجنود الفرنسيون أنفسهم طيلة قرن وربع من استعمار الجزائر وممارسة الظلم والقهر والتعذيب والقتل هذا السؤال؟ هل سأل الضابط أو الجندي الألماني نفسه وهو يقود اليهود إلى "المحرقة" عن عدالة ما يفعله؟ وهل سأل الضابط والجندي الإسرائيلي نفسه هذا السؤال عند ارتكاب المذابح والمجازر في الضفة وغزة وجنوب لبنان؟

كثيرون لا يسألون أنفسهم هذا السؤال إلا عند الهزيمة. تحرك الرأي العام الفرنسي عند هزيمة الفرنسيين في "ديان بيان فو"، وتحرك أيضا عندما بدأت الثورة الجزائرية تحقق الانتصارات.

 لكن هذا لا ينطبق على العسكريين وحدهم ولا على أمريكا ودول أوربا فالقضية تشمل دول العالم كله. لم نر وزيرا أو سفيرا أو موظفا ساميا يعترض على قرارات بلاده الجائرة إلا إذا مسته شخصيا أو مست مصالحه. لذلك ترى معظم الدبلوماسيين في كل البلدان ممن هم في أعلى سلم الثقافة والوعي يؤيدون الاستعمار والديكتاتورية والاستبداد الحزبي والطائفي ويتبعون موقف حكوماتهم التي تطغى على قناعاتهم الشخصية. وليس غريبا إذا أن تؤيد سيمون الصهيونية وترى قضيتها عادلة وتتعامى عن النزعة الإرهابية فيها منذ نشوئها وقيام دولتها، في حين تعتبر المقاومين أصحاب الحق ممن اغتصبت أراضيهم وهجروا من ديارهم إرهابيين فاشيين.

أجابت هدى باقتضاب: "لا تعجبي فنظرتنا إلى العدالة والظلم تختلف. أنت أوربية، والأوربيون قرروا إنصاف اليهود بعد أن ظلموهم عدة قرون ختمت بما فعله هتلر بهم، لكنهم أرادوا إنصافهم بظلم شعب آخر وتشريده من دياره وذبح رجاله ونسائه وأطفاله".

لم يفسد هذا النقاش شهية الصحفيتين أو يقطع حبل الود بينهما، وتبدل الحديث فجأة لتسأل سيمون عن آخر المنشآت السياحية في الجزائر.

 لقراءة الفصل التالي انقر هنا: الخيط السابع: شاهدة لم تكن في الحسبان

لقراءة الفصل السابق انقر هنا: الخيط الخامس: الموعد المنتظر

للاطلاع على فصول الرواية، انقر هنا: القاضية والملياردير

للاطلاع على الروايات الأخرى للكاتب انقر هنا:  الرّوايـات